الفصل 33 - العرش القرمزي
"هل ترتفع درجة حرارة الماء مجددا؟" تمتمت هوا ليتونغ لنفسها وهي تملي بصرها على نهر غامض يغلي أمامها.
بعد السير نحو الأفق بمحاذاة النهر يوما كاملا، لاحظت أن درجة حرارته لا تزال ترتفع باستمرار. في هذه اللحظة، أيقنت تماما أنها تجاوزت مئة درجة مئوية.
"هل للأمر صلة بذلك الشيء الشبيه بالشمس؟ لا بد من ذلك!" أشرق وجها هوا ليتونغ عندما ربطت بين ارتفاع الحرارة وذلك الشيء الشبيه بالشمس المذكور في كلمات والدتها.
"لعل هذا المكان هو جوهر العالم الخرافي الحقيقي؟" خلصت إلى هذه النتيجة لتغمرها موجة من البهجة العارمة فجأة.
سارعت هوا ليتونغ الخخطى على أمل بلوغ المنطقة المركزية قريبا. وفجأة، توقف خطواتها، واستلت نصلها، وقالت بصوت بارد موجه نحو زاوية ما في الأمام: "من هناك؟"
"الأخت ليتونغ؟" انبثق ظل أنثوي من خلف الجدار ليهتف في دهشة.
"الأخت مينغلي؟" تفاجأت هوا ليتونغ بدورها. لم تكن تتوقع رؤية يانغ مينغلي هنا.
كانت الاثنتان تنتميان إلى الجيل نفسه. وبحكم قصة الحب التي جمعت بين يانغ تشن وهوا وانرو، فقد توثقت العلاقة بين يانغ مينغلي وهوا ليتونغ طبيعيا، حتى صارتا صديقتين مقربتين.
"كيف حالك؟" أعادت هوا ليتونغ نصلها إلى غمده واقتربت من يانغ مينغلي بابتسامة.
"أنا بخير. أحاول العثور على أخي في الوقت الحالي." أجابت يانغ مينغلي. ثم توقفت برهة وتساءلت مستطردة: "منذ متى وأنت هنا؟"
"لقد وصلت إلى هنا بالأمس. وماذا عنك؟" ردت هوا ليتونغ.
"كنت أتتبع أثر لوه كونه منذ عدة أيام لكني فقدته الآن." خفضت يانغ مينغلي رأسها بمعذرة قائلة: "أنا آسفة، الأخت ليتونغ. لم أستطع إعادة وانرو من قبضة لوه كون." فقد رأت هوا وانرو صحبة لوه كون، لكنها وحدها لم تملك القوة الكافية لإنقاذها.
"هل هي بخير؟" سألت هوا ليتونغ على عجل بينما غطى القلق محياها.
أومأت يانغ مينغلي برأسها قائلة: "ينبغي أن تكون بخير. أظنها قد انفصلت عن لوه كون فور وصولها إلى هنا. وفي طريقي، قتلت ثلاثة أشخاص من عشيرة لوه، وبدو وكأنهم لا يعرفون مكان تواجد لوه كون ووانرو."
تنهدت هوا ليتونغ بارتياح وقالت: "هذا جيد... هل عثرت على يشم أسود مع أولئك الرجال؟"
أخرجت يانغ مينغلي حجر اليشم الأسود الخاص بالرسائل وقالت: "أتقصدين هذا؟"
أوضحت هوا ليتونغ: "نعم. يستطيع أفراد عشيرة لوه استخدام هذا اليشم للتواصل فيما بينهم. وقبل مجيئنا إلى هنا، قام يون لينتيان بتعديل يشم الرسائل الخاص بنا متخذا من هذا اليشم الأسود نموذجا. والآن، بات بإمكاننا التواصل معا."
"الشيخ يون؟ بوسعه فعل هذا أيضا؟" تفاجأت يانغ مينغلي... أي نوع من المواهب الساحرة هذه؟ ألا يقتصر براعته على فنون الطب العميقة فحسب، بل يمتلك موهبة في النقش أيضا؟ عجزت عن إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير.
أومأت هوا ليتونغ بحزم قائلة: "نعم. إنه عبقري حقيقي... سأتواصل معه الآن. فلعل وربما يكون قد التقى بالآخرين بالفعل."
أخرجت يانغ الرسائل وحاولت الاتصال بيون لينتيان، بيد أنه لم يتلق أي رد بعد مرور دقيقة كاملة.
قطبت هوا ليتونغ حاجبيها وتساءلت: "أتعرض لمكروه ما؟" ثم حولت الاتصال إلى يون تشان، لكن النتيجة بقيت على حالها دون أي رد يذكر.
ازداد تقطيب حاجبي هوا ليتونغ عمقا. فعاودت الكرة هذه المرة متصلة بيون لي: "الأخت يون لي، أأنت هنا؟"
"الأخت هوا؟ لقد واجهنا لوه كون ورجاله. ونحن حاليا رفقة الشبيح الشاب يانغ تشن. الأخت تشان والأخت تينغ مصابتان بجروح بالغة." انطلق صوت يون لي من الطرف الآخر.
تبادلت هوا ليتونغ ويانغ مينغلي نظرات تعبيرية جادة. سألت هوا ليتونغ: "أين لوه كون؟ أتمكنتم من القضاء عليه؟"
"لا. قال الشاب الشاب يانغ تشن إنه قد فر هاربا." أجابت يون لي.
"فهمت. الرجاء إيجاد مكان للتعافي أولا." تحدثت هوا ليتونغ بنبرة ثقيلة.
"لننطلق. علينا زيادة سرعة خطانا." لم تنتظر هوا ليتونغ رد يانغ مينغلي، بل تقدمت بخطى حثيثة للأمام بينما كانت يانغ مينغلي تتبعها عن كثب.
"يا له من مكان جميل." هتف يون لينتيان وهو يتأمل ما حوله.
عندما وطئت قدمه هذا المكان لأول مرة عبر الباب الأوسط، لفته موجة حر خفيفة على وجهه فورا، تلاها ضوء ساطع كاد يفقد بصر ه. غير أن الجرذ الغامض رفع يده بخفة، فاختفى كل شيء في ومضة، وظهرت قاعة مصممة بفنية فائقة أمام ناظري يون لينتيان.
كانت القاعة فسيحة بمساحة تقدر بنحو ثلاثمائة متر مربع. وجدرانها الرخامية مطلية بلون قرمزي ومزخرفة بأنماط نيران تنبض بالحياة في كل مكان. وأول ما لفت انتباه يون لينتيان بشدة هو عرش قرمزي يتوسط القاعة. وشعر بطريقة ما بهالة مهيبة تنبعث منه باستمرار. ومقارنة بعرش غيوم ضبابية، بدا هذا العرش القرمزي أكبر حجما وأكثر إتقانا في التصميم.
وفي اللحظة التي رفع فيها يون لينتيان رأسه ليتأمل السقف المثلث، تفاجأ برؤية كرة حمراء اللون تطفو فوق السقف الشفاف، باعثة بموجات حرارية بين الحين والآخر.
"أهذه هي ما تسمى الشمس؟" تمتم يون لينتيان وهو يعقد حاجبيه. لقد بات موقنا الآن بأن هذا المكان يمثل مركز العالم الخرافي.
التفت نحو الجرذ وقال: "ألم تقل لتك للتو إنك لا تعرف شيئا عن هذا؟"
أمال الجرذ رأسه قليلا قبل أن يهز كتفيه ببراءة.
"أهكذا؟ أصررت لتبدو بريئا الآن؟" ضحك يون لينتيان خفيفا؛ فقد وجد هذا الجرذ شديد اللطافة. وتساءل مستطردا: "إذن هل تعرف عاهل الشمس المشتعلة؟" طرح هذا السؤال لاعتقاده بأن الجرذ لابد وأن يمتبط صلة ما بعاهل الشمس المشتعلة بطريقة أو بأخرى، وإلا فكيف تمكن من فتح الباب بكل هذه السهولة؟
بدا أن الجرذ يفكر للحظة قبل أن يهز رأسه ثم يرفع يده الصغيرة باتجاه يون لينتيان.
بقي يون لينتيان عاجزا عن الكلام، فأخرج ب العجز عدة حصص من لحم البقر وقدمها للجرذ قائلا: "ها هو ذا. أتريد مني طهيه لك؟"
تردد الجرذ برهة ثم أومأ موافقا في النهاية.
عثر يون لينتيان على مكان مناسب لإعداد مدفأة بسيطة وباشر الطهي. وخلال هذه الفترة، ظل يرمق الشمس ببصره بين الحين والآخر عله يعثر على دليل يخصها. فمن واقع مذكرات عاهل الشمس المشتعلة المليئة بالتذمر، تركت الشمس خلفها من قبل "ذلك الشخص" وتولى عاهل الشمس المشتعلة حراستها، في انتظار وصول "ذلك الشخص" إلى هذا المكان.
لم يكن يون لينتيان واهما لدرجة الاعتقاد بأنه الشخص المختار، خصوصا وأنه لم يمتلك أي أداة غش حتى الآن. ورغم أن قلادة الفضة المعلقة على عنقه ربما تكون أداة الغش التي يأملها، إلا أنه لم يظن وجود صلة بينها وبين الشمس.
وبعد فترة وجيزة، ناول يون لينتيان شرائح اللحم للجرذ وقرر استكشاف المكان قليلا، مبتدئا بالعرش القرمزي أولا.
بوم!
في اللحظة التي اقترب فيها من العرش القرمزي، انطلقت هبة حرارية جبارة أطاحت بيون لينتيان عدة أمتار إلى الوراء.
"ما اللعنة بحق الجحيم!؟" هتف يون لينتيان بغضب. ولحسن حظه، فقد تفاعل بسرعة فائقة وتجنب أي إصابة عند ارتطامه بالأرض.
"ما الذي يجري؟" التفت يون لينتيان ليسأل الجرذ.
كان الجرذ منغمسا في تناول شرائح اللحم بنهم. ولما رأى يون لينتيان ملقى على الأرض بفعل الانفجار، علت ابتسامة خبيثة شفتيه وكأنه يسخر منه.
شعر يون لينتيان بالإحباط والصمت لرؤيته هذا المشهد. فتوجه نحو الجرذ محاولا سحب شرائح اللحم منه، لكن الجرذ تفاداه بخفة وتابع الأكل.
جز يون لينتيان على أسنانه وأقسم في قرارة نفسه أن ينتقم من هذا الجرذ لاحقا. واستدار نحو العرش القرمزي مرة أخرى، مقتربا منه هذه المرة بخطى حذرة وبطيئة.
بوم!
تعرض يون لينتيان للاجتياح مجددا، لكن هذا ساعده على الخروج بمعلومة مفيدة؛ إذ استحال عليه الاقتراب لمسافة تقل عن عشرين مترا من العرش القرمزي، وإلا فإنه سيطاح به فورا.
"ما السبيل إذن؟" لمس يون لينتيان ذقنه وغرق في تفكير عميق. لقد بات متأكدا من وجود شيء ما على العرش القرمزي، قد يكون سرا من أسرار هذا المكان أو كنز. ومن ثم، وجب عليه إيجاد طريقة للاقتراب منه.
ألقى نظرة على الجرذ وأطلق تنهيدة قائلا: "أخبرني. ماذا تريد؟" وطبيعي أن أسرع طريقة تكمن في ترك الجرذ يحل المشكلة بدلا عنه.
ابتسم الجرذ بخبث ورفع يده باتجاه يون لينتيان مطالبا بمزيد من الطعام.
"مهلا، ما زلت بحاجة للطعام، أتعلم؟ لم يبق لدي الكثير من المؤن... ما رأيك بهذا النصل؟" أخرج يون لينتيان النصل الذي حصل عليه من غرفة الكنوز سابقا.
أدار الجرذ عينيه وكأنه يقول: "ألم تأخذه للتو مني قبل قليل؟ أتظنني أحمق؟"
تنهد يون لينتيان بخيبة أمل؛ وبدا أن الجرذ لم يكن غبيا. فالتفت إلى الطعام داخل حلقة الابعاد الخاصة به وأخرج دجاجة أخيرا قائلا: "ها هي. أتريدني أن أطهوها لك؟"
شمشم الجرذ الدجاجة قليلا ووجد أنها لا تتمتع بذات رائحة شرائح اللحم، لكنه أومأ برأسه في النهاية.
تنهد يون لينتيان بيأس وأعد مدفأة أخرى... كيف تحولت فجأة إلى طاه شخصي لهذا الجرذ؟ تساءل في نفسه.
وبعد مرور عشرين دقيقة، انتهى يون لينتيان من إعداد دجاجة مشوية بسيطة وناولها للجرذ. لم يستطع الأخير مقاومة رائحة الثوم والفلفل فالتقم قضمة كبيرة من الدجاجة المشوية الذهبية بسرعة.
راقب يون لينتيان الجرذ بصبر وهو يأكل بسعادة دون أن ينطق بكلمة. واختفت الدجاجة المشوية في غضون دقيقتين، ولم تترك سوى عظامها البيضاء على الأرض.
"حان دورك لأداء مهمتك الآن." قال يون لينتيان للجرذ ذي البطن المنتفخ.
حدق الجرذ فيه مستاء لكنه نفذ ما وعد به مع ذلك. تحرك ببطء نحو العرش القرمزي ولمس بخفة حاجزا غير مرئي يبعد عشرين مترا عن العرش. وفي اللحظة ذاتها، شعر يون لينتيان بأن شيئا ما قد اختفى من المكان، إذ تلاشى الحاجز غير المرئي تماما.
تبع يون لينتيان الجرذ من خلفه. وحين بلغا أمام العرش، تراءى لعينيه نقش ناري دقيق ومزخرف بعناية فائقة على العرش، وهو تصميم يعجز شخص في نقطة الصفر الفنية مثل يون لينتيان عن استيعابه.
وبينما كان يون لينتيان يتأمل العرش القرمزي بتقدير، لمعت مسحة من الحزن في عيني الجرذ وهو ينظر إلى العرش. فقد اختلفت تعابيره جذريا عن ذي قبل، وبدت هيئته الحالية أقرب للبشر مقارنة بجرذ عادي.
طبيعي أن يون لينتيان لم يلاحظ ذلك، فقد انصب تركيزه بالكامل على العرش القرمزي بحثا عن سره. وعندما لم يجد شيئا، التفت إلى الجرذ متسائلا: "أثمة سر يخص هذا العرش؟"
لم يبد الجرذ أي رد فعل على سؤال يون لينتيان، بل مد يده ليلمس العرش القرمزي برفق. وإثر ذلك، توهج النقش الموجود على العرش بلون قرمزي مفاجئ، مما جعل يون لينتيان يتراجع خطوة إلى الوراء لا إراديا.
"لقد أتيت أخيرًا." تردد صدى صوت عتيق في أرجاء القاعة فجأة.