الفصل 26 - معركة طاحنة
"ألا تستطيعين التعامل معه بمفردك؟ تفترض قوتك أن تكون أعلى من قوته، أليس كذلك؟" سأل يون لينتيان وهو يحار في أمره. فمن وجهة نظره، كانت هوا ليتونغ أشد قوة بكثير من لوو كون.
هزت هوا ليتونغ رأسها وقالت: "لقد خدعك."
"خدعني؟" اعتلت الدهشة وجه يون لينتيان.
"خبرتني وانرو أن لوو كون قد استفزك في ذلك الوقت. فما رأيك فيه؟" لم توضح هوا ليتونغ الأمر على الفور، بل طرحت عليه سؤالا بدلا من ذلك.
أجاب يون لينتيان بلا مبالاة: "إنه مغرور ولا يضع أحدا في حسابه، كما أنه يعشق الاعتماد على خلفيته وتأثير عائلته. لا شيء أكثر من ذلك."
ضحكت هوا ليتونغ بصوت خافت وقالت: "لهذا السبب قلت إنك تعرضت للخداع منه... في الواقع، كل ما فعله أمامك كان مجرد تمثيل. قد يبدو فتيا مغرورا وغبيا يستعرض خلفيته هنا وهناك، لكنه في الحقيقة شخص مكر حاد الذكاء. هل تظن أن يانغ تشن، العبقري الذي استوعب نية السيف وهو في السادسة عشرة من عمره، قد يخسر حقا أمام لوو كون في قتال عادل؟"
ارتسمت علامات التفكير العميق على وجه يون لينتيان. لقد راوده الشك بشأن هذا الأمر من قبل، لكنه تجاوز الأمر لأنه لم يكن يبالي به في ذلك الوقت. وبالمفهوم الحالي، كان الأمر صحيحا تماما كما قالت هوا ليتونغ. فنية السيف ليست شيئا هينا يسهل العثور عليه. وبفضل نية السيف هذه، يمكن القول إن يانغ تشن كان لا يقهر بين أقرانه. فكيف يمكن ليانغ تشن أن يهزم أمام لوو كون في مواجهة عادلة؟ إلا إذا...
عند رؤيتها لملامح وجهه، أومأت هوا ليتونغ برأسها وقالت: "هذا صحيح. لقد استخدم أسلوبا ملتويا. أثناء القتال، كان هناك من يوجه هجوما روحي خفيا إلى يانغ تشن بين الحين والآخر. هذا الشخص قوي جدا، وكانت طريقته نظيفة ولا تدع أثرا، فلم يستطع أحد اكتشافها."
سألها يون لينتيان: "وكيف عرفت أنت إذا؟"
كانت هوا ليتونغ تتوقع هذا السؤال، فأجابت ببهدوء: "لأني مميزة." وفجأة، أضاءت عينها بنور وردي بينما كانت تحدق في عيني يون لينتيان.
"همم؟" استطاع يون لينتيان رؤية الضوء الغريب في عينيها، وشعر وكأن شيئا ما يخترق عقله. بدأت غيبوبة تلف وعيه، وأصبح كل ما يراه عالما مظلما مظلما. وبدون علمه، أضاءت نقوش الفينكس على خاتم يون لينتيان، وتدفق تيار دافئ بسرعة في جسده، ليعود إلى عقله صفاؤه تدريجيا.
"أغ..." فجأة، تعرضت هوا ليتونغ لارتداد عكسي، مما جعلها تسعل دما طازجا.
استعاد يون لينتيان وعيه بالكامل، وسحب القوس الحديدي من خاتمه ووجهه نحو هوا ليتونغ، ثم سأل بنبرة حازمة: "ماذا تفعلين؟"
مسحت هوا ليتونغ الدم عن شفتيها وأجابت: "آسفة. إنه خطأي. أردت فقط أن أريك قدرتي."
قطب يون لينتيان حاجبيه وقال: "قدرتك؟"
أومأت هوا ليتونغ بضعف وقالت: "نعم. أنا أملك روحا خاصة ورثتها عن أسلافنا، تسمى روح الزهرة الوهمية. وبهذه الروح، أملك حساسية فائقة لأي نشاط روحي من حولي. وهذا هو السبب الذي جعلني أستشعر الهجوم الروحي لذلك الشخص رغم أن قوتي في عالم العمق الأساسي."
فكر يون لينتيان لبرهة قبل أن يخفض قوسه. لقد درس الفن الطبي العميق وكان يعلم بوجود هذه الروح الغريبة، وإن كان الاسم مختلفا فقط. لم يضغط في هذا الموضوع أكثر، واستخرج عدة أحجار تشكيل من خاتمه.
سألته هوا ليتونغ: "كيف فعلت ذلك؟" كانت فضولية لمعرفة كيف استطاع يون لينتيان مهاجمتها رغم وقوعه تحت تقنيتها الروحية.
سألها يون لينتيان ببرود: "فعلت ماذا؟" في الحقيقة، كان هو الآخر يتساءل عن الأمر نفسه، ففي وقت سابق شعر بتيار دافئ يتدفق في جسده من حيث لا يدري، لكنه لم يجد جوابا.
عندما رأت هوا ليتونغ أن يون لينتيان لا يرغب في الحديث عن الأمر، لم تستفسر أكثر، وسألته: "ما رأيك؟ هل تريد الانضمام إلي لقتل لوو كون؟"
هز يون لينتيان كتفيه وقال: "عليك أن تنحي أمر لوو كون جانبا أولا. فنحن على وشك مواجهة عدو أشد قوة من لوو كون بعشر مرات. هل تريدين الانضمام إلي لقتله؟"
"عدو؟" لم تفهم هوا ليتونغ ما يعنيه.
أوضح يون لينتيان: "لقد أغضبت وحش العمق الروحي، وهو قادم لأخذ حياتي."
"وحش العمق الروحي؟ كيف يكون هذا ممكنا! هذا المكان لا يمكنه استيعاب أي قوة من عالم العمق الروحي." ردت هوا ليتونغ بعدم تصديق.
"حسنا، لقد حدث الأمر بالفعل." لم يرد يون لينتيان إضاعة الوقت في الحديث معها أكثر، فنقش رونا معقدا على أحجار التشكيل واحدا تلو الآخر بسرعة.
كان حجر التشكيل شبيها بحجر العمق من حيث المظهر، لكن وظيفته كانت مختلفة. فحجر التشكيل لا يمكنه احتواء الطاقة العميقة لفترة طويلة مثل حجر العمق، لكنه يسمح بمرور الطاقة العميقة من خلاله. وكان من السهل العثور عليه مقارنة بحجر العمق، ويستخدم عادة لإقامة التشكيلات.
كانت هوا ليتونغ متأكدة من أن يون لينتيان لا يحتاج إلى الكذب عليها، فاختارت تصديق كلماته في النهاية. "أيمكنك نقش الرونات القديمة؟ لا تقل لي أنك إلى جانب كونك طبيبا عبقريا، أنك ناقش عميق أيضا؟" ذهلت وهي ترى يون لينتيان ينقش ببراعة عدة رونات قديمة معقدة على أحجار التشكيل... أي نوع من الوحوش هذا؟ كيف يمكن لشخص أن يملك موهبة لا تصدق كهذه؟ اختلطت الأفكار في ذهن هوا ليتونغ.
لم يكلف يون لينتيان نفسه عناء إجابتها، بل تحرك بسرعة إلى عدة نقاط ودفن أحجار التشكيل في الأرض — ليصنع تشكيل قتل يغطي مساحة تقارب مائتي متر مربع.
"أأنت سيد تشكيلات أيضا!؟" صدمت هوا ليتونغ مرة أخرى، ولم تعد تعرف كيف تصف موهبته.
نفض يون لينتيان الغبار عن يديه وتحقق من تشكيل القتل بعناية مرة أخرى. وبعد التأكد من أنه يعمل بشكل ممتاز، أخرج ثلاثة أحجار عمق من الدرجة المنخفضة ووضعها في عين التشكيل المركزية، ليربطها بأحجار التشكيل الأخرى. ولتوفير استهلاك أحجار العمق، أقام فقط تشكيل العمق من مستوى الروح، والذي يفترض أن يكون كافيا للتعامل مع تمساح الهاوية حسب تقديره.
لم يكن متأكدا مما إذا كان تمساح الهاوية قد تبعه، لكنه قرر المواجهة لأنه لم يعد يرغب في الهرب بعد الآن. وبعد الاستماع إلى هوا ليتونغ، إذا كان حظه سيئا للغاية وصادف لوو كون، فلن يكون أمامه سوى الهرب بنجاته. لذا كان من الأفضل له القضاء على هذا التمساح أولا، في حال لم يتخل عن فكرة قتله.
"ما هو قرارك؟" التفت يون لينتيان ليسأل هوا ليتونغ التي كانت تقف وهي فاتحة فمها على وسعه من شدة الذهول.
استعادت هوا ليتونغ وعيها وأجابت بحزم: "بالطبع سأبقى. فأنا ما زلت بحاجة إليك لمساعدتي في التعامل مع لوو كون."
رد يون لينتيان: "حسنا. إذا اتفقنا."
زئيرررر!
كان يون لينتيان على وشك المتابعة في الحديث حين دوى زئير مألوف مرة أخرى من بعيد، مما جعل كلاهما ينظر دون إرادة إلى اتجاه الصوت.
"هذا..." اتسعت عينا هوا ليتونغ عندما رأت الجسد الضخم لتمساح الهاوية يظهر في مدى رؤيتها.
تحول وجه يون لينتيان إلى الجدية، ووضع قدمه اليمنى على عين التشكيل، مستعدا لتنشيطه في أي لحظة.
ثبت الحس الروحي لتمساح الهاوية فوراً على يون لينتيان، وتدفقت الطاقة العميقة من جسده بجموح. وفي لحظة، اندفع نحو يون لينتيان كالصاعقة.
قال يون لينتيان لهوا ليتونغ وهو يضرب بقدمه على عين التشكيل: "سأفعل تشكيل القتل. يمكنك شن هجومك على الفور."
ووش!
أضاء حجر العمق في المركز ببريق ساطع، واندفعت الطاقة العميقة بسرعة إلى أحجار التشكيل الأخرى، لتضيء الرونات القديمة المنقوشة عليها. وفي اللحظة التالية، تشكل حاجز على هيئة قبة ضخمة تغطي المنطقة.
يبدو أن تمساح الهاوية لاحظ تغير البيئة المحيطة، لكن الأوان كان قد فات، فقد خطى داخل تشكيل القتل بالكامل.
"انطلقي!" ضرب يون لينتيان بقدمه على عين التشكيل مرة أخرى، فظهرت عدة شفرات من الطاقة العميقة في الهواء قبل أن تمطر التمساح بوابل من الضربات.
"زئير!" زأر تمساح الهاوية بغضب، محاولا صد الهجوم القادم.
لم يمنحه يون لينتيان وهوا ليتونغ وقتا لالتقاط أنفاسه، وشنى عليه تقنيات هجومية متتالية بسرعة.
بوم! بوم!
خارقت سهام يون لينتيان جلد تمساح الهاوية، تاركة جروحا صغيرة متعددة عليه. وفي الوقت نفسه، أرسلت هوا ليتونغ عاصفة بتلات قاتلة نحو رأسه، مما جعل دماء التمساح تتناثر كالنوافير.
واصلت شفرات الطاقة العميقة قصف الوحش وإلحاق عدة جروح بجسده. حاول تمساح الهاوية تشكيل حاجز واق، لكنه كان يتفجر واحدا تلو الآخر بشكل شبه فوري.
لم يتوقف يون لينتيان عن إطلاق السهام عليه بشكل متتابع. قد لا تكون هجماته بقوة هجمات هوا ليتونغ، لكن تحت هذا القصف المتواصل، أخذت الجروح على التمساح تزداد عمقا واتساعا تدريجيا.
صرخت هوا ليتونغ بحماس: "أوشكنا على الانتهاء!" كانت هذه هي المرة الأولى التي تقاتل فيها وحش العمق الروحي، وكانت متحمسة للغاية.
"لا! ليس الأمر بهذه السهولة..." لم يكمل يون لينتيان جملته لأنه شعر بقوة هائجة تنبعث من التمساح.
بوم!
وفجأة، انفجر تشكيل القتل إلى أشلاء تحت القوة الهائلة لتمساح الهاوية. وقبل أن يتمكن يون لينتيان وهوا ليتونغ من قول أي شيء، اندفع جسده نحوهما — وبشكل أدق، نحو يون لينتيان.
"تبا..." صرخ يون لينتيان بصدمة، وتعرض لضربة مباشرة من تمساح الهاوية.
"مت!" أطلقت سيف هوا ليتونغ قوة هائلة وهي تضرب بها رأس تمساح الهاوية.
باف!
"زئيرررر!" اندفق الدم في الهواء مصحوبا بصارخة ألم من تمساح الهاوية. فقد انفقأت إحدى عينيه على الفور بسبب هجوم هوا ليتونغ، وظهر جرح قاتل عميق على رأسه. وبسبب الألم الشديد، ضرب تمساح الهاوية بديله الشوكي نحو هوا ليتونغ بغريزة غاضبة.
"آه!" أخذت هوا ليتونغ على حين غرة، أو بالأحرى لم تستطع إقامة دفاع في الوقت المناسب. أطيح بها بعيدا لترتطم بشجرة على مسافة، مما جعلها تسعل الدم، مع تقدير أن أضلاعها قد كسرت هي الأخرى.
وقف يون لينتيان من على الأرض ومسح الدم عن فمه. أخرج رمحا حديديا طويلا وقفز في الهواء قبل أن يطعن بكامل قوته نحو رأس تمساح الهاوية.
باف!
غرز الرمح عميقا في رأس تمساح الهاوية، وفي الوقت نفسه، أطيح بيون لينتيان بعيدا بواسطة ذيله. طار جسده كقذيفة مدفع، ليرتطم بعدة أشجار على طول الطريق قبل أن يتوقف عند صخرة عملاقة على بعد مائة متر.
شعر يون لينتيان بأن ثلاثة من أضلاعه على الأقل وعظم كتفه الأيمن قد كسرت. رفع رأسه لينظر إلى الوحش الغاضب في البعيد. ولأول مرة منذ قدومه إلى هذا العالم، تسرب العجز واليأس إلى عقله... إنه ضعيف... ضعيف للغاية.