حُرقة الفصل 9 — حُرقة 1.9

اقرأ حُرقة الفصل 9 — حُرقة 1.9 باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الأول ﴿الجزء الثاني﴾

رين كان إسمها، هكذا قدمت نفسها بثياب نظيفة..

ظنّها الجميع في بادئ الأمر فتاةً مرِحةً لا أكثر، حيث لم يتوقع أحد أن تنافس بياتريكس في رفع الأيدي على الأسئلة الصعبة، أو أن تتفوق عليها في الرياضة، راهنت في سري أن حتى الفتيان لن يكونوا ندًّا لها، كنتُ أتأملها من رُحب الزوايا البعيدة غالب أوقاتي؛ فكونك بلا أصدقاء يعني وقت فراغ كبير.

تلاقت أبصارنا في لحظاتٍ عدّة، ودائما ما كنت أول من يكسر هذا الاتصال.

غير مدركة، حافز غريب غرس جذوره في باطن ذهني، حُلمي في أن أملك صديقة، ربما هذه هي فرصتي.. وربما لأن الحياة أخيرا أشفقت علي، جاءت الفرصة بسرعة بعد نهاية الدوام..

تأخر والداي، فبقيتُ وحيدة في زاوية الفصل أنتظر، إنسحبت الفتيات تدريجيًا تاركات رين وفتاة أخرى تتحادثان بجانب النافذة، ثم دخلت المعلمة ونادت على الفتاة فغادرت، وبقيت لوحدي في الصف مع رين…

بقيت لوحدي مع رين…

لوحدي مع رين.. لوحدي… مع.. رين!!

ضخ قلبي الدماء بسرعة إثر إدراكي، كطبل يرُحب بالحرب، شحنات التوتر صعقت كامل جسدي، لكن حماس شديد أشعلني..

يمكنني أخيراً الحديث معها وربما حتى..بعثَ عقلي الدخان، لكني أجبرت نفسي على الهدوء.

شهقت، زفرت، وقفت، وخرجت من مقعدي، صدت نقرات خطاي البطيئة بالأرض، لكن رين لم تلتفت، كانت تميل إلى الخلف بكسل، تنظر إلى الخارج، بأذرع ممدودة ومرتخية في حضنها بين ساقيها، تمايل شعرها البني الداكن، وصلت خلفها.. وبعد تردد طويل، ناديت

"عفواً؟"

لم ترد، ربما لخفوت صوتي، كدت أناديها من جديد، فإذا بها ترفع رأسها وتميل رقبتها بشكل حاد فجأة حتى ارتطم رأسها بالمقعد خلفها، وتلاقت أبصارنا، لكني لم أكسر الاتصال هذه المرة، بل غِصتُ، بوقاحة في عينيها البنيّتين الشارذتين، وكمن عاد للواقع، استقامت، والتفتت برأس مائل:

– "هم؟"

– "رين..؟"

أومأتْ برأسها بفضولٍ لطيف:

– "نعم؟"

للحظات، حرت حول الطريقة المناسبة لقول ما أرغب، وفي النهاية، إندفعت الكلمات:

– "أيمكنني.. أن أصبح صديقتك؟"

– "ها… بكل تأكيد.."

إنفلتَ نفسي المحبوس دفعة واحدة، زفير طويل، تبعه شهيق عميق، وارتخى كتفاي، مرت نسمةٌ باردة من النافذة، أدركت بها كم كنتُ غارقة في العرق، إبتسمت، حتى قاطعتني رين فجأة

– " أ… أرغبتك في أن تصبحي صديقتي سبب تحديقك طوال اليوم؟"

أومأتُ بإحراج فضحكت بشدة، ثم توقفت، تنحت جانبا وربتت على المقعد لأجلس بجانبها، لم أرفضها، سألتني:

"أنا فضولية، لم أردت أن تصبحي صديقتي؟"

"فشلتُ في إقامة أي صداقة… إذا رفضتني، كنت سأبقى وحيدة طوال السنة.. وهذا الفكر المخيف دفعني، ربما؟"

"هناك أناس يعانون من شيء بسيط كإقامة الصداقات؟ أعتذر، لا أقصد التقليل منك"

"إعتذارك مقبول"

تحدثنا قليلا حتى أوقفنا نداء المعلمة، والد رين قد أتى، تذمرت رين:

"لحسن الحظ، سأراك مجددا في الغد، تذكرت، لا أعرف اسمك بعد.."

"آن"

"آن، اسم جميل" مجيبةَ بابتسامة، رفعت يدها..

"أراك غدا.."

"أراك غدا.."

واصلتُ التلويح حتى بعد رحيلها..همهمت بإخفاض يدي غير راغبة في انتهاء اللقاء..

بقيت لوحدي… مجدداً

ولأول مرة لم أشعر بالوحدة، بل بالدفء، أثرها لازال باقياً حتى بعد رحليها..

عندما حضرت والدتي، بدا أنها أدركت أن شيئاً مختلفاً فيّ، اقتربت مني وانحنت، همست بفضول:

– "ما سر ابتسامتك هذه؟ أحدث ما أفكر فيه"

فأجبت هامسةً أيضا ولكن بحماس مشحون:

– "اليوم… أصبح لدي صديقة!!"

احتفلنا معا بصراخ صامِت..

لاحقا، انتظرت والدي عند عتبة المدخل، وتماما بعد إغلاقه الباب، ركضت نحوه وصدمت رأسي بمعدته، صرخت

– "بابا! امتلك الآن صديقة!!"

اتسعت عيناه في البداية، ولكن بسرعة انفرجت شفتاه، ثم رفعني في الهواء ضاحكاً، ودار بي حول المنزل..

قررت امي لتخليد الذكرى أن تحضر طعاماً شهيًا بدرجةٍ استثنائية عن العادة.. رويتُ لهما عن رين، ملحمتها، وكل شيء عنها، وكيف قبلت صداقتي، واستعما إلي بكل اهتمام…

كان يوما جميلاً، حتى حلمي كان سعيداً، وصلت لأوجّ مراحل السعادة..

—

في اليوم التالي، أتت رين متأخرة،

وعندما دخلت، أوقفتها بياتريكس محاطة بقطيعها، وقالت بنبرة واثقة وبرأس مرفوع:

"كوني صديقتي"