الفصل الرابع
كانت بياتريكس تجلس على مقعدها متأملة ومحتارة، مثل الجميع، عن ماهية هذا الوافد الجديد، رين. لاحظت من طرف عينيها نفس بريق الاهتمام الذي كان في أعين الجميع على رين… الإيماءات المبالغ فيها، أو نبرة حديثها المليئة بالطاقة… سبق الاستغراب البغض؛ كيف لها أن تحظى بما هو ملك لها، الأنظار، بمجرد حديث؟
نمت حيرتها، وكذلك شعبية رين بإطراد، فهي لا تكف عن أسر اهتمامهن. قررت، حتى وإن لم تفهم حيرتها، أنها لا يمكنها القعود ومشاهدة رين تسرق كل الأنظار منها…
لكنها لم تعرف كيف. ذعرت، ولكن فقط للحظة، فاستحضرت ذكرى نادرة لخطاب ألقاه والدها:
"إن لم تقدري التغلب على عدوك، فضميه لصفك."
لماذا لا تجعل من رين صديقة لها؟ سترجع الاهتمام المستحق لها، وستحظى رين بشرف أن تصبح صديقتها الأقرب. عرض لن يرفضه إلا معتوه، فتمتمت بسرور:
"مثالي…!"
"أنا أرفض."
"كيف ترفضين، ياتريكس!؟"
"ألا يمكنني الرفض؟"
"لا، لا، لا… بالطبع يمكنك الرفض، ولكن—"
استمعت للفتيات يدافعن عنها، ولم تقل شيئًا، كأنه لا يخصها. تحملقت في أعين رين وتعابيرها، لعلها تصل لما يوجد في ذهنها، ولكن بلا فائدة.
"حقيقة، بعد تأمل عميق…"
"لا تزال الإجابة لا."
نظرت رين إليها ببلادة، دون أن تقول شيئًا، وذهبت لتجلس في مقعدها. لم ترغب بإظهار الهزيمة، فعادت كما لو لم يحدث شيء. كما أبدت الفتيات دعمهن، أعطت لرين نظرة أخيرة متمتمة:
"حمقاء…"
هذا ما قلته… ولا تعلم حقًا، لم مجددًا يعود كلامها عليها كمن ينتظر بعاصفة، فيختاره البرق أولاً…
عاملتهن بلطف، دعتهن لمنزلها، قدمت لهن الهدايا، بذلت قصارى جهدها لتحظى بتلك الأنظار.
إذن، لماذا هي مأخوذة بالإنتقاص؟
يومًا تلو الآخر…!
بقي القليل، والذي قد لا يدوم طويلاً…
—
بداية عام جديد، وفصل دراسي جديد رحب به الكل بابتسامات وتوقعات للتجارب التي سيخوضونها…
عدا بياتريكس، تلك الفتاة البائسة…
فمنذ حدث معين، أخذ حشدها بالإنتقاص، ابتعد الكل عنها لأسباب عدة.
لأنها مملة ربما؟ خرقاء متصنعة؟ هوسها الشديد بأن تكون في مركز الاهتمام على الدوام؟ من يعلم…؟
لكنني متأكد أن بياتريكس لا تعلم…
شديدة البأس، هي الآن في بداية الفصل الجديد، ولم يبق معها إلا ثلاث فتيات لأسباب غير معروفة…
آه، خطئي، بقيت معها واحدة فقط؛ الاثنتان نُقلتا للفصل المجاور مع بداية العام الدراسي…
أي، بقيت معها واحدة فقط، والتي لسوء الحظ:
"لارا لا ترغب بأن تبقى صديقتك بعد الآن."
—
صديقتها الأخيرة، لارا، مَحمية، تقف وراء مجموعة فتيات يواجهن بياتريكس المحتارة…
هكذا واجهتها بياتريكس.
جادلت:
"دعيني أتكلم معها"
فهوجمت:
"لا يوجد شيء للحديث عنها"
"أتركي لارا وشأنها…"
لم ترغب أن تفقد أعصابها، فذهبت وجلست.
منذ زمن بعيد كانت تأتيها كوابيس عن هذه اللحظة، اللحظة التي لن يعود أي شخص فيها معجبًا بها… لن ينُظَر إليها، شعرت بخوف شديد، ولم تعرف كيف ستتصرف عند حدوثه في الواقع، لكنها في الوقت الحاضر تعيش الكابوس، وهي لا تشعر بالخوف أو بالإحباط، فقط صدمة، منكرة باستمرار واقعها، فهي لا ترغب بالتصديق به، بقيت مصدومة هكذا طوال الحصة.
في الفسحة، بقيت لأول مرة لوحدها، ليست معتادة على هذا الهدوء، شعرت بحاجة ملحة للحديث عن شيء ما، لكن لا أحد لينصت…
والآن، ماذا…؟؟
قررت الوقوف ومحاولة الانضمام لمجموعة أخرى، لكن عندما اقتربت ولاحظتها المجموعة، تلاشت بهجتهن. تذمرت إحداهن وسألتها ببرود:
"ماذا تريدين؟"
بياتريكس لم تجب، ابتعدت عنهن بهدوء
هكذا ظلت لوحدها لأيام. في تلك الأيام اقترح المعلم تعيين رئيسة للفصل، ولم يذكرها أحد.
كانت في طريقها للمرحاض عندما قابلت بصدفة لارا في يوم عشوائي.
ساد الصمت لثوانٍ، سألتها بياتريكس بهدوء:
"لماذا…؟؟ اعتقدت أننا صديقتان."
كانت لارا مذعورة أولًا، ولكنها هدأت عندما رأت هدوء بياتريكس. تنفست بعمق، واعترفت:
"سأخبرك بشيء لطالما أردت أن أقوله في وجهك."
أمالت بياتريكس رأسها:
"أنا أمقتك… أكرهك وأبغضك من أعماق قلبي…"
"أنت تعيشين في قصر، سافرت أكثر من مرة خارج البلاد، غرفتك جميلة واسعة، وهي لوحدك بالكامل، لديك حديقة جميلة مليئة بالأزهار تشبه حديقة من قصص خيالية، ألعاب ودمى لا تعد ولا تحصى، رفوف كاملة من الملابس الجميلة، خدم يلبون احتياجاتك، يعدون لك الطعام إن كنت جائعة، يسلونك إن شعرت بالوحدة أو الملل… ولديك الكثير والكثير…"
ثم صرخت بحنق وهي تكشر أيديها:
"ومع هذا لا تزالين غير راضية!!"
"شرهك الشديد لأن تكوني محط إعجاب الجميع، شكواك المستمرة من غياب والديك وعدم اهتمامهما بك."
"على الأقل هما لا يكرهانك! لا يضربانك! لا يخبرانك باستمرار أن وجودك بالكامل خطأ كبير!"
نزعت نظارتها، سقطت الدموع من أعينها، لفظت أنفاسها، لم ترد النظر لبياتريكس، كانت تنظر لأسفل… أكملت بنبرة ساخرة:
"لو امتلكت عشر ما تملكينه لكنت في أقصى سعادتي، لكن الحياة منصفة بطريقتها الخاصة. الآن، لم يعد لديك أحد، الكل يكرهك… ونحن أيضًا، أنا وكاثي وسارة، لو لم يجبرنا آباؤنا على الالتصاق بك لأن عائلتك ثرية، لكنا ابتعدنا عنك منذ البداية كما فعل الجميع."
مسحت دموعها وسمعت صوت شهيق مفاجئ، ثم رفعت رأسها ببطء.
بياتريكس تجثو على ركبتيها، تبكي، أيديها تقبض على قلبها، صوت بكائها خافت لكنه مليء بالحرقة…
ذعرت لارا مجددًا، خرجت مسرعة، مشت خارجًا، ثم ركضت بسرعة، ثم توقفت.
تنفست بخشونة، هدأت نفسها، ذعرت لأنها أول مرة ترى بياتريكس تبكي…
سكنت، قهقهت قليلاً، ثم ضحكت، شعرت بالخفة:
"لم أعلم أنه من السهل جعلها تبكي، لا أدري لماذا كنت خائفة منها…"
ثم أتتها فكرة، أخذت عدة أنفاس سريعة، ثم جمعت الدموع في زوايا عينيها، أكملت سيرها في اتجاه الفصل، ثم دخلت الفصل بمنظرها الباكي. رأتها إحدى صديقاتها فهرعت إليها:
"لارا…!؟"
اجتمعت صديقاتها، وهي تشهق وأخبرتهن بما حدث:
"كنت في المرحاض… ثم أتت… بياتريكس…"
"حاصرتني فجأة وبدأت بسؤالي ومعاتبتي: 'كيف تتركيني بعد ما فعلت لك، بعد كل الهدايا، ناكرة للجميل؟' واستمرت بقول أشياء قاسية…"
"ظننت بأني لم أعد خائفة، لأني لست لوحدي، فأخبرتها بذلك، لكنها لم تستمع وصرخت بغضب، شعرت بالخوف، فاخبرتها أن السبب لابتعاد الجميع عنك هو تحدثك بتعالي، لو تواضعت وانصتت إلينا كما نفعل معك لأحبك الجميع، لكنها استمرت بقول أشياء فظيعة ثم بدأت بالبكاء…"
بدأت الحصة، وعادت بياتريكس متأخرة، عاتبتها المعلمة قليلًا، ثم طلبت منها
أن تجلس.
نظرت بياتريكس للفصل، وكانت معظم الفتيات ينظرن إليها ويحدقن بشكل غريب، نظرات غاضبة… اعتادت على تجاهل الفتيات لها، فنست الأمر…
ومضت الحصة