232
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
الفصل 232: دخول (باي تشيهان)
⊷⊶⊷⊶⊷⊶
في الداخل، كان الهواء مشبعًا بالغبار ومُثقلًا بظلال العتمة.
دلف (باي تشيهان) إلى المبنى – الذي يُشاع أنه المعقل السري لمنظمة الفانوس الأسود – بخطىً متأنيةٍ وغير مبالية، وقد أبقى يديه مدسوستين في أكمام ردائه، محتفظًا بهدوء عينيه المعهود.
كان المكان مضاءً بخفوتٍ شاحبٍ عبر مصابيحَ زيتيةٍ راجفةٍ، عُلقت على الجدران المتشققة، لتلقي بظلالٍ راقصةٍ جعلت العوارض الخشبية العتيقة تئن وتصرُّ وكأنها كائنٌ حيٌّ يتنفس.
وكانت الأرضية متسخةً تغطيها الأتربة، وتتخللها بقع دماءٍ جافةٍ في بعض المواضع، في حين كافحت رائحة الأعشاب المجففة عبثًا لتغطية رائحة الحديد النفاذة التي كانت تعبق في أجواء الغرفة.
كان ثمة أناسٌ بالداخل.
إذ تحلق اثنا عشر رجلًا وامرأة، يتوشحون بالسواد ويخفون ملامحهم باللثام، حول طاولاتٍ خشبيةٍ منخفضة؛ فمنهم من يعكف على شحذ نصله، ومنهم من يرتشف الشاي في صمت.
انفتح الباب ببطءٍ من خلف (باي تشيهان)، فالتفتت إليه الرؤوس كافة.
وانزلقت الأسلحة من الأكمام كالأفاعي المتربصة. والتمعت نية القتل في الأعين كالبرق الخاطف.
«من أنت؟»
صاح أحدهم، متقدمًا بخطوةٍ إلى الأمام، ويده قابضةٌ بالفعل على مقبض خنجره المعقوف. كان صوته أجشَّ غليظًا، وعلى خده ندبةٌ طويلةٌ غائرة.
وضيَّق آخر، وهو رجلٌ فارع الطول يتكئ على عمودٍ خشبي، عينيه في ارتياب.
«لقد ضللت الطريق باختيارك هذا المكان لتتجول فيه يا فتى. استدر وعد من حيث أتيت، لعلك تنجو بجلدك.»
لم يفلح أحدٌ منهم في التعرف عليه بعد. ليس وسط هذا الضوء الخافت الشاحب.
ودخل 'كونغ تشانغهونغ' في أثره مباشرة، بوجهٍ متقع الشحوب، وجبينٍ يتفصد عرقًا.
وجالت عيناه في أرجاء الغرفة بحذر، لتستقرا لبرهةٍ على هالتين من عوالم [تكوين الروح] تكمنان في مؤخرة المكان.
فضلًا عن وجود عدة مزارعين آخرين من عالم [أصل الروح]، تفوح من كلٍّ منهم رائحة الدماء الزكية.
غير أن (باي تشيهان) لم يكلف نفسه حتى عناء إلقاء نظرةٍ عليهم.
بل خطا خطوةً إلى الأمام. ثم أتبعها بأخرى.
كانت نبرته هادئةً – لا تكاد تتجاوز الهمهمة الخافتة – إلا أن كل من في الغرفة سمعها بوضوحٍ تام.
«أنا هنا لإجراء محادثة.»
فاشتد التوتر في الغرفة، كوتر قوسٍ نُزع إلى أقصى مداه.
فأطلق الرجل ذو الوجه المشوه ضحكةً ساخرة.
«محادثة؟ ومع من تحديدًا؟»
فقد كان لا يزال ينظر إلى (باي تشيهان) كصبيٍّ غِرٍّ ضل طريقه ولا يدرك أين وضع قدميه.
فتوقف (باي تشيهان) في منتصف الغرفة.
«مع أيًّا كان المسؤول هنا.»
فخفتت الضحكات تدريجيًّا – لأن زعيمهم شخصيةٌ لا يمكن تناولها أو الحديث عنها باستخفاف، حتى من قِبل أبرز أعضاء منظمة الفانوس الأسود.
وتجمد رجلٌ جالسٌ في إحدى الزوايا، وهو يحدق بتفرسٍ عبر الضوء الخافت. ثم انحنى إلى الأمام، وانقطعت أنفاسه لشدة المفاجأة.
واتسعت عيناه في حالةٍ من عدم التصديق.
«…إنه…إنه (باي تشيهان)! يجب أن أبلغ القائد في التو.»
فنهض مسرعًا، وكاد أن يتعثر بكرسيه من فرط العجلة.
ودون أن ينبس بكلمة، استدار وهرع نحو الممر الخلفي، ليختفي خلف بابٍ تستره ستارةٌ مزينةٌ بالخرز.
فقد مضى ليرفع تقريره إلى الزعيم.
وكان قلب 'كونغ تشانغهونغ' يخفق بعنف. لقد حانت اللحظة الحاسمة.
ها هما في قلب العرين. والذئاب تتأهب للانقضاض.
ولكن ملامح (باي تشيهان) لم يطرأ عليها أي تغيير.
«هل تدرك حتى أين أنت؟»
سأل الرجل ذو الوجه المشوه بحدة.
فأدار (باي تشيهان) رأسه قليلًا، والتقت نظراته بنظرة الرجل في هدوءٍ وثبات.
وقال بنبرةٍ ساكنة: «نعم، أليس هذا مقر منظمة الفانوس الأسود؟»
فلم يكن الصمت الذي أعقب إجابته صمتًا مشوبًا بالارتباك، بل صمتًا ينم عن إدراكٍ جديد – وشعورٍ زاحفٍ بالخوف.
واتسعت العيون دهشة.
وتضاعفت حدة التوتر.
فلم يكن هذا ابنًا ضالًّا لأحد النبلاء أخطأ طريقه إلى مقهى الشاي.
بل كان يعلم يقينًا أين هو.
لقد جاء إلى هنا قاصدًا.
وعن عمد!
فأخذ الرجل ذو الوجه المشوه نفسًا عميقًا، وتصلبت عضلات جسده استعدادًا.
وانتصب الرجل الطويل المتكئ على العمود واقفًا باستقامة، ويداه متأهبتان، ونظراته مصوبةٌ نحو الستارة المزينة بالخرز التي توارى خلفها المخبر.
وتحركت إحدى النساء المحجبات بمهارةٍ فائقةٍ لتسد أقرب مخرجٍ متاح.
«كيف اهتديت إلى هذا المكان؟»
انطلق صوتٌ باردٌ وقاسٍ من إحدى الزوايا.
وتقدم رجلٌ آخر إلى الأمام، كان هذا الرجل أكبر سنًّا وأضخم بنيةً، يحمل سيفًا مسننًا مربوطًا على ظهره.
وكانت هالة روحه تتذبذب بخفوت، لم تنطلق بعد بكامل قوتها، ولكنها بلا ريبٍ تعود لمزارعٍ في عالم [تكوين الروح].
وقال الرجل ببطءٍ ووعيد: «لا أحد يعرف مكاننا هذا إلا إذا سمحنا له بذلك. لذا فإما أنك تكذب… وإما أن أحدهم قد أرشدك. وفي كلتا الحالتين—»
وخطا خطوةً أخرى إلى الأمام، مضيقًا عينيه.
«فلن تغادر هذا المكان حيًّا اليوم.»
فابتلع 'كونغ تشانغهونغ' ريقه بصعوبة. لقد شعر بالضغط يتصاعد في أرجاء الغرفة، كسدٍّ يوشك على الانهيار.
بيد أن (باي تشيهان) ظل ساكنًا كتمثال.
ويداه لا تزالان قريعتي أكمامه. وجسده في حالة استرخاءٍ تام. بل أقرب إلى الكسل.
فأجاب (باي تشيهان): «أما عن مغادرتي من عدمها، فذلك رهنٌ باستعداد زعيمكم للخروج والتحدث.»
فضحكت المرأة المحجبة ضحكةً حادةً ساخرة.
«أما زلت تتوهم أنك في موقفٍ يسمح لك بطرح الأسئلة؟»
تساءلت متهكمة.
«نعم!»
هكذا أجابها (باي تشيهان) ببساطة.
«تبًّا لك! سأكسر كل عظمةٍ في جسدك، ثم سأسألك مجددًا – من الذي أخبرك؟»
زمجر بها صاحب الوجه المشوه.
وكانت تلك هي إشارة البدء.
فاندفعت ستة ظلالٍ إلى الأمام في حركةٍ متزامنةٍ ومنسقة – شفراتٌ تومض، وتمائمُ تشتعل في الهواء، ودخانٌ داكنٌ يلتوي كالأفاعي السامة.
واتجهت نية القتل صوب (باي تشيهان) من كل حدبٍ وصوب.
بيد أن (باي تشيهان) لم يتردد لحظة.
لا حين لمعت الشفرات في الظلام، ولا حين توهجت التمائم بضوءٍ أخضرَ شبحي، ولا حتى حين اندفعت نحوه نية القتل كموجةٍ عاتيةٍ كاسحة.
بل استعاض عن ذلك بإطلاق زفيرٍ خفيف.
ثم تحرك.
ووش!
وقبل أن يتسنى لأي شخصٍ رد الفعل، كان (باي تشيهان) قد التحم بهم بالفعل.
وبحركةٍ خاطفةٍ من كُمِّه، ارتطمت المرأة المحجبة بالحائط وهي تلهث بشدة، وتناثرت الدماء من فمها بينما تهشمت منطقة الدانتيان في جسدها بالكامل.
«آه!»
«ماذا؟ ماذا حدث للتو؟»
«أين هو؟»
فلم يتمكن مزارعو عالم [أصل الروح] حتى من رصد حركة (باي تشيهان)، ووقفوا حائرين أمام ظهوره واختفائه المفاجئين.
«إنه هناك!»
أشار الرجل ذو الوجه المشوه بإصبعه نحو (باي تشيهان) وهو يندفع باتجاهه.
ولكن، ومع خطوةٍ واحدةٍ إلى الأمام، تحطم الخنجر المحبوب للرجل – ذو الدرجة العميقة – في يده قبل أن يتاح له الصراخ، والتوى معصمه إلى الخلف بزاويةٍ غير طبيعيةٍ مروعة.
«آه! كيف يُعقل هذا!»
كان الرجل ذو الوجه المشوه في غاية الارتباك والذهول إثر تحطم خنجره تمامًا بضربةٍ من سيف (باي تشيهان).
ناهيك عن أنه، وهو خبيرٌ متمرسٌ في عالم [تكوين الروح]، قد هُزم بكل هذه السهولة على يد شخصٍ لم يشتد عوده بعد.
وبنقرةٍ أخرى – وهذه المرة بإصبعين فقط – طار الرجل الطويل المجاور للعمود إلى الخلف، محطمًا طاولتين في طريقه، ليخرَّ يئنُّ بين الأنقاض المتناثرة.
كان الأمر يسيرًا. دقيقًا. ومنظمًا للغاية.
فحلت الفوضى العارمة في أرجاء الغرفة.
وانقض قاتلان آخران – كلاهما من ممارسي عالم [أصل الروح] – من زاويتين متقابلتين، أحدهما يلوِّح بسوطٍ من سلسلةٍ معدنية، والآخر يحمل رمحًا يتخذ شكل الهلال.
ولم يلتفت (باي تشيهان) حتى لمواجهتهما.
بل لامست أصابعه الهواء.
كسر!
فتحطمت السلسلة وتناثرت حلقاتها. وانكسر الرمح إلى نصفين في منتصف تأرجحه.
وقبل أن يتمكن أيٌّ من المهاجمين من استيعاب ما حل بهما، دُفعا إلى الخلف بفعل موجةٍ من قوةٍ خفيةٍ لا شكل لها – فاصطدما بقوةٍ عنيفة، وتهشمت أضلاعهما.
«توقف-!»
صرخ أحد ممارسي عالم [تكوين الروح] القابعين في الخلف، ووجهه يكسوه الشحوب.
«إنه في منتصف عالم [تكوين الروح] على أقل تقدير – لا، بل ربما بلغ عالم [تكوين الروح] العالي! يتحتم علينا التعاون معًا للإيقاع به!»
فأطلق خبير عالم [تكوين الروح] الآخر لعنةً غاضبة.
«لا تبدو عليه حتى علامات بلوغ العشرين من عمره – أي ضربٍ من مزارعي الوحوش هذا؟!»
واستل الرجل الضخم ذو السيف المسنن سلاحه أخيرًا، ووجهه متجهِّمٌ عابس.
«لا مجال للتردد. هاجموا وكأنكم تقصدون قتله!»
فتوهج سيفه بطاقةٍ روحيةٍ حمراءَ داكنةٍ وهو يتقدم إلى الأمام، وارتفعت هالته كالمد العاتي.
وتبعه مزارع عالم [تكوين الروح] الثاني، والبرق يتراقص حول كفيه.
وتحركا معًا – في تزامنٍ تامٍّ ونيةٍ قاتلة.
ولكن قبل أن يتسنى لهما شن هجومهما المباشر—
دوى صوتٌ في المكان.
«توقفوا!»
لم يكن الصوت جهوريًّا، لكنه شق طريقه عبر الفوضى كحد السيف.
فتجمد الجميع في أماكنهم على الفور.
حتى خبيرا عالم [تكوين الروح] توقفا في منتصف خطوتهما، وتبدلت تعابير وجهيهما إلى التردد.
ومن خلف الستارة المزينة بالخرز، برزت هيئةٌ ما.
كانت امرأةً ترتدي رداءً بسيطًا بلون الليل، ومطرزًا بخيوطٍ فضية، وشعرها الطويل مزمومٌ إلى الخلف بمشبكٍ عظمي.
كان حضورها هادئًا، بيد أنه كان خانقًا – كجبلٍ ساكنٍ يربض في منتصف الليل.
وكانت عيناها ضيقتين، سوداوين حالكتين، كهاويتين توأميتين تسبران أغوار كل شيء.
فنظرت إلى (باي تشيهان). ثم جالت بنظرها على القتلة المصابين المتناثرين على الأرض.
ثم عادت لتثبت نظراتها على (باي تشيهان) مرةً أخرى.
فلم تكن تتوقع أنه في هذا الوقت القصير الذي استغرقته للوصول إلى هنا، سيكون العديد من قتلتها قد طرحوا أرضًا، بمن فيهم مزارعٌ في عالم [تكوين الروح].
لقد كان هذا عارًا يلطخ جبين منظمة الفانوس الأسود، ولكنه في الوقت ذاته، كان دليلًا دامغًا على مدى قوة (باي تشيهان) الفعلية.
فلم تعد هناك حاجةٌ لأي نقاش. فالشخص الماثل أمامها لم يكن سوى (باي تشيهان) الذائع الصيت.
وقالت بصوتٍ خفيضٍ وناعم: «أنت (باي تشيهان)، وريث ❲عشيرة باي❳. ما الذي أتى بك إلى هنا؟»
فأمال (باي تشيهان) رأسه قليلًا، ويداه لا تزالان مطويتين بهدوءٍ داخل أكمامه.
«لا بد أنكِ قائدة منظمة الفانوس الأسود.»
«أنا هي بالفعل!»
وتقدمت إلى الأمام بخطىً وئيدة، بلا خوف، ولكن بلا غطرسةٍ أو غرورٍ أيضًا. مجرد خطواتٍ مدروسةٍ لشخصٍ اعتاد على بسط سيطرته.
«اسمي 'شا وانشو'.»
وتوقفت على بعد بضع خطواتٍ من (باي تشيهان)، والتقت نظراتها بنظراته مباشرة.
«أفترض أن زيارتك هذه… لم تكن بمحض الصدفة العشوائية؟»
فانحنت شفتا (باي تشيهان) في ابتسامةٍ خفيفة.
«لا، بل لدي أسئلةٌ أبحث عن إجاباتها. حول القاتل الذي حاول اغتيالي أنا و 'باي شينيو' قبل عامٍ مضى.»
فضيقت 'شا وانشو' عينيها قليلًا.
«وتظن أننا من يقف وراء ذلك؟»
«ربما. ولكن حتى لو لم يكن الأمر كذلك،» قالها (باي تشيهان) بهدوء، «فأنا على يقينٍ بأن منظمتكم تعرف هوية من كان وراء الأمر.»
تَرْجَمَة : ISRΛWΛTΛN