الفصل 91: اللعب [2]
كليك كلاك—! عندما أُضيئت الأنوار، عادت الألوان إلى المسرح، ليجد جوزيف نفسه مرة أخرى في المخبز.
مقارنةً بالأجواء الكئيبة السابقة، كانت الأجواء الآن أقل اختناقًا بكثير.
[….]
جالسًا في نفس المكان، ظل جوزيف صامتًا طوال الوقت حتى خفض رأسه ليفرك وجهه.
[الوجه… كيف كان يبدو وجهه؟]
كانت هناك عيب واضح في الرؤى.
لم يكن يتذكر ملامح وجوه الأشخاص المشاركين.
[اللعنة.]
لكن الأمر لم يكن بلا أمل.
[قميص أبيض، بنطال بني، وسترة داخلية…]
كان يتذكر الملابس التي كان يرتديها وموقع الحادث.
نزل مساعده إلبيرت من الدرج ودفع نظارته إلى الأعلى.
[لم أتمكن من العثور على أي دليل. المكان نظيف. من المؤسف أننا قد نضطر للبحث في مكان آخر عن أدلة.]
توقفت خطواته في نهاية المطاف على مقربة من جوزيف.
[ماذا عنك؟ هل وجدت شيئًا…؟]
[….]
[أيها المحقق؟]
[….آه، نعم صحيح.]
خرج جوزيف من أفكاره ونظر إلى الخلف.
[ماذا قلت مرة أخرى؟]
[هل وجدت شيئًا؟]
[أوه، ذلك.]
هز رأسه.
[لا، ليس حقًا. لكن لدي بعض الأفكار. ألمزعجة، لكن… هاه، أحتاج إلى المال، لذا ليس لدي خيار.]
وأخيرًا، نهض من مقعده وأخذ نفسًا طويلاً وممتدًا قبل أن يستدير ويتجه نحو المخرج.
[أيها المحقق؟ ماذا نفعل هنا؟ هذا هو المنزل الخامس الذي نزوره. كيف يفترض أن يساعدنا هذا؟]
[فقط انتظر.]
تغير المشهد. عند خروجهم من المخبز، ظهروا أمام باب خشبي كبير وطرقوه.
توك توك—
[كيف يمكنني مساعدتك؟]
كان في استقبالهم عند الباب شخصية مألوفة. على الفور، توترت الأجواء حول المسرح.
ومع ذلك… ولسبب ما، اختفى ذلك التوتر عندما لاحظوا الابتسامة الدافئة على وجه الشخصية.
بالنسبة للجمهور، بدا وكأنه شخص ودود للغاية. وهو اختلاف كبير عن الشخص الذي ظهر في الرؤية.
هذا التباين الواضح جعل بعض الحضور يشعرون بعدم الراحة.
“هل هذا حقًا هو؟”
“لا يمكن أن يكون نفس الشخص، صحيح؟… كيف يمكن أن يكون ذلك منطقيًا؟”
خلع المحقق قبعته وعرّف بنفسه ومعه مساعده.
[دعني أقدم نفسي. أنا المحقق جوزيف، وهذا الرجل هنا هو مساعدي.]
بادل الرجل التحية بابتسامة مهذبة ودافئة.
[محقق؟]
[نعم. آسف، ولكن هل يمكننا أن نطرح عليك بعض الأسئلة؟]
[….بالطبع.]
دعاهم الرجل للدخول.
ولكن قبل أن يسمح لهم بالدخول، قدّم نفسه.
[أوه، قبل أن أنسى. اسمي أزارياس. إنه لمن دواعي سروري مقابلتك.]
[أزارياس؟ يا له من اسم جميل.]
[شكرًا لك.]
تغير المشهد مرة أخرى.
كانوا جميعًا يجلسون الآن حول طاولة خشبية. وعلى الطاولة كانت هناك صينية صغيرة تحمل ثلاثة أكواب من الشاي الدافئ.
[أعتذر لهذا. هذا كل ما يمكنني تقديمه.]
[أوه، لا بأس.]
أخذ جوزيف رشفة من الشاي ومزح قائلاً:
[لا أستطيع التمييز بين الشاي الجيد والسيئ على أي حال. كله بالنسبة لي طعمه كالعشب.]
رد عليه أزارياس بابتسامة:
[لا أستطيع أن أقول إنني مختلف.]
كانت الأجواء خفيفة ودافئة. بدا الأمر وكأنه حديث عادي وودي بين صديقين.
لكن ذلك أخذ منعطفًا أكثر جدية عندما بدأ جوزيف تحقيقه. تغيرت ملامحه قليلاً وأصبحت أكثر جدية.
[سأبدأ بسؤال بسيط. أين كنت ليلة البارحة حوالي الساعة 10 مساءً؟]
[حوالي الساعة 10 مساءً؟]
رغم التغير المفاجئ في ملامح جوزيف، لم يبدو أن أزارياس قد تأثر وهو يفكر بجدية.
[همم، لست متأكدًا… أعتقد أنني كنت في متجري. إذا كنت لا تعرف، فأنا أملك متجرًا للزهور.]
[متجر زهور؟]
[نعم، أحب العناية بالزهور.]
ألقى جوزيف نظرة حوله، ولاحظ بالفعل أن المكان مليء بالزهور.
[تبدو أنك تحب الورود.]
[….لقد قيل لي ذلك كثيرًا. لكن في الحقيقة، ليست الورود هي المفضلة لدي. هناك العديد من الزهور الأخرى التي أحبها.]
[همم، فهمت.]
أومأ جوزيف برأسه ثم دخل مباشرة في صلب الموضوع.
فتح معطفه، وأخرج منه صورة صغيرة وضعها على الطاولة.
[إيميلي ستاين.]
نقر على الصورة بإصبعه.
[هذا اسم الفتاة التي فُقدت منذ يوم أمس. هل رأيتها من قبل؟]
[….]
نظر أزارياس إلى الصورة لبضع ثوانٍ فقط، ومع ذلك… لسبب ما، شعروا بأن الأجواء وكأنها أصبحت خانقة. رغم ملامحه وتعبيره الدافئ، كان هناك شيء مقلق بشأنه.
ببطء، التقط الصورة وألقى نظرة عليها.
[أعتقد أنني رأيتها من قبل، لست متأكدًا أين.]
[رأيتها؟]
[نعم، لكنني لست متأكدًا أين…]
[إنها بلدة صغيرة. كانت تعمل في المخبز أسفل الشارع. ربما هناك رأيتها.]
[آه، ربما هناك.]
ابتسم أزارياس مرة أخرى، ووضع الصورة ببطء، ثم هز رأسه.
[آسف، لكن أتمنى لو أستطيع مساعدتك أكثر. إذا كان هناك أي شيء يمكنني فعله للمساعدة في التحقيق، فسأكون أكثر من سعيد بذلك.]
[سنقدر ذلك.]
ناظرًا إلى الزهور من حوله، خطر لجوزيف فجأة فكرة وعبّر عنها.
[ذلك المتجر الخاص بك… لن تمانع إذا زرناه، أليس كذلك؟]
[متجري؟]
بدا أزارياس مرتبكًا وأمال رأسه.
واصل جوزيف، لكن هذه المرة بنبرة أقل جدية مما كان عليه قبل قليل، إذ عادت ملامحه الودية السابقة.
[كنت أنوي شراء بعض الزهور لزوجتي. قد أستفيد من الفرصة. آمل ألا تمانع. بالإضافة إلى ذلك، يمكنني القيام بجولة صغيرة. إذا كنت بريئًا، فأنا متأكد أنك لن تمانع، صحيح؟]
[آه…]
رمشت عينا أزارياس قليلاً. كان ذلك فقط لوهلة قصيرة، بالكاد يمكن ملاحظته إن لم يكن الشخص منتبهًا. لكن…
بالنسبة للجمهور الذي كان بالفعل يراقب بتركيز، فقد رأى ذلك بوضوح.
مع الأسف، لم يتمكن أحد من معرفة ما إذا كان جوزيف قد لاحظ ذلك أم لا، حيث ابتسم بسعادة وأخذ المفاتيح إلى المتجر من أزارياس الذي لم يتبعه للخارج.
[هاها، سأعود قريبًا لإعادة المفاتيح. لا تهرب.]
رغم أنه قال ذلك مازحًا، أمر جوزيف مساعده بالبقاء في حالة تأهب خارج المنزل.
كلاك—
بمجرد أن أُغلق الباب، أصبح أزارياس الشخص الوحيد المتبقي في الغرفة.
[…..]
سادت الصمت المكان وهو يقف وحيدًا بابتسامة دافئة على وجهه. كانت ابتسامة تنير الغرفة.
لكن تدريجيًا…
بدأت تلك الابتسامة تتغير.
شيئًا فشيئًا، أصبحت غير مريحة. تقريبًا مرعبة.
بدأت الأضواء تخفت، وأمام الجمهور، بدأت الألوان تتلاشى تدريجيًا، مما حوّل العالم بأكمله إلى اللون الرمادي.
ولكن، وبطريقة غريبة، في هذا العالم الرمادي، بقي لون واحد فقط.
كان اللون الأحمر من الورود.
مع وقوف أزارياس في المنتصف، بدأت الستائر تغلق، معلنةً نهاية الفصل الأول.
وفي اللحظات الأخيرة قبل أن تغمر الستائر أزارياس بالكامل، فتح فمه ليتحدث، وسمع صوت مألوف بارد وجاف يتردد بصوت عالٍ.
[….سأراك قريبًا.]
أُغلقت الستائر تمامًا، وأصبح المسرح مظلمًا.
….انتهى الفصل الأول.
“هووو.”
وقفت آويف خلف المسرح وأخذت نفسًا عميقًا.
تدريجيًا، أُضيئت الأضواء لأول استراحة، بينما جلس الجمهور بأفواه مغلقة وأعين مثبتة نحو الأمام.
من تعابيرهم، كان واضحًا أنهم مستغرقون تمامًا في المسرحية.
“هذا جيد…”
تنهدت آويف براحة.
كان من الواضح أنها لم تخيب التوقعات بأدائها.
لكن مع ذلك…
“….”
حدّقت نحو رجل معين كان يتجه نحو غرفته الخاصة تحت أنظار الجميع، وخفضت رأسها.
ما زال ذلك غير كافٍ.
هي…
ما زالت غير جيدة بما فيه الكفاية.
“كم يجب أن أفعل أكثر للحاق به…؟”
كانت تشعر بالخوف حقًا. خصوصًا أن مشهدها معه كان على وشك الحدوث.
شعرت آويف أنها في أفضل حالاتها، لكن حتى ذلك لم يكن كافيًا.
“أكثر.”
شكلها الحالي كان جيدًا، لكنه ليس كافيًا لمجاراة مستواه.
عليها أن تفعل المزيد.
خصوصًا أنه ‘هو’ كان يشاهدها.
لم يكن بإمكان آويف أن تسمح لنفسها بالذوبان أمام تمثيل جوليان.
بتنهيدة ناعمة، دلكت آويف وجنتيها وأخرجت النص.
سوش! سوش!
“آه…!”
كان النص يكاد يتفكك، واضطرت إلى بذل قصارى جهدها لمنع بعض الصفحات من السقوط.
بعد التأكد من أن جميع الأوراق كانت في مكانها، ركزت انتباهها مجددًا على النص.
الكمال.
لن تتوقف إلا عند الكمال.
***
“هاه…”
عائدًا إلى غرفتي، جلست وأخذت نفسًا عميقًا.
كنت مرهقًا ذهنيًا، وكان رأسي يؤلمني قليلًا.
تأملت النص، قلبت الصفحات، ثم بدأت بوضع المكياج.
تقلب، تقلب، تقلب—!
المشهد التالي كان المشهد الذي سأقتل فيه آويف.
كان مشهد الفلاش باك صغير آخر.
ومع ذلك، كان لهذا المشهد أهمية كبيرة حيث أن المسرحية لا تزال في مراحلها التمهيدية.
دوري كان أن “أسلط الضوء” على قدرة جوزيف.
موتي سيأتي بعد وقت قصير. مقارنةً بالنص الكامل، لم يكن لدي الكثير من الوقت على المسرح.
ومع ذلك، كان لدوري أهمية.
كان عليّ أن أترك تأثيرًا في الجمهور.
لكن…
هذا هو الجزء الذي كان يحيرني.
“لا أزال لا أستطيع فهم الشخصية بشكل جيد.”
رميت النص على الطاولة.
كان الأمر مزعجًا.
بغض النظر عن مدى جهدي، لا أزال أجد صعوبة في الاقتراب من فهم الشخصية.
….كان ذلك مستحيلًا.
أزارياس كان مختلًا نفسيًا تمامًا.
شخصًا كانت عقله وعواطفه يصعب فهمها بشكل صحيح.
للحظة وجيزة، تجولت نظرتي نحو وشم البرسيم ذو الأربع أوراق على ساعدي.
إذا كان هناك وسيلة واحدة يمكن أن تساعد، فهي…
“لا.”
كنت سريعًا في التخلص من الفكرة.
العجلة كانت مقامرة.
يمكن أن ينتهي بي الأمر بمشاعر لها تأثير معاكس تمامًا.
“هوو.”
لو فقط أستطيع الدخول إلى عقل أزارياس…
“هاه.”
دلكت جبيني.
“يا لها من وضع مزعج.”
توك توك—!
“المسرحية ستبدأ قريبًا. يرجى التوجه إلى المسرح.”
عند سماع صوت المنظم، أخذت نفسًا عميقًا وعدّلت ملابسي.
بعد التأكد من أن كل شيء على ما يرام، أمسكت بالمقبض وفتحت الباب.
ما استقبلني كان ممرًا طويلًا وضيقًا.
“همم؟”
نظرت حولي.
أين المنظم…؟ ولماذا المكان مظلم هكذا؟
“….!”
وووووم—!
شيء مر بسرعة بجانب خدي.
بالكاد تمكنت من الرد في الوقت المناسب وأنا أميل رأسي قليلًا إلى اليمين.
تنقيط… تنقيط.
شعرت بألم حاد على جانب خدي وعبست.
خدش. خدش. خدش.
من الجهة الأخرى، جذب انتباهي صوت خافت ومتكرر بينما ظهرت شخصية من الظلام.
“لقد تجنبت ذلك؟”
كان صوته أجشًا، شبه مبحوح، بينما بقيت صامتًا.
“….”
حدّقت به دون أن أقول كلمة.
ببطء، أصبح مظهره واضحًا لي، وخفضت رأسي.
“إذًا، لقد أتيت أخيرًا…”
________
ترجمة : TIFA