الفصل 210: قمة الإمبراطوريات الأربع [1]
الوقت لا ينتظر أحدًا.
كان يتدفق بلا نهاية، ودون أي اهتمام بمن أرادوا إبطاءه أو تسريعه.
تغيرت الفصول.
انتهى الشتاء، وكذلك الربيع.
ببطء…
ودون أي اكتراث بالعالم، مرّ الوقت.
مثل الماء المتدفق.
“هل اقتربنا؟ بدأت أشعر بالجوع.”
“يجب أن نكون قريبين جدًا، ‘هافن’ يجب أن تكون أمامنا مباشرة.”
“هذا جيد، لأنني أتضور جوعًا.”
تقدم مجموعة مكونة من حوالي عشرين شخصًا، يسيرون على طول ممر يؤدي إلى غابة كثيفة. برز زيهم الأبيض، المزين بخطوط زرقاء مذهلة، تلفت الأنظار وسط الخلفية الخضراء المورقة.
تكوّنت المجموعة من أفراد صغار السن نسبيًا، لكن هالتهم العميقة والمهيبة لم تتناسب مع أعمارهم.
كانوا أعضاءً في إمبراطورية “أورورا”.
“بماذا كانوا يفكرون عندما قرروا بناء أكاديمية في وسط غابة؟ لا عجب أننا نهزمهم في كل مواجهة.”
عند سماع تلك الكلمات، استدار رجل ذو شعر أسود طويل وملامح متناسقة بشكل لافت لينظر إلى الشخص الذي تحدث.
كانت عيناه، العميقتان والثاقبتان، تبتلعان كل من يجرؤ على مقابلتهما بنظره.
”…..كن حذرًا في كلامك، نحن لم نعد في إمبراطوريتنا.”
“ولكن، أليس هذا صحيحًا؟ قد يكونون أقوى إمبراطورية، لكن ذلك يرجع في الأساس إلى كثرة النزاعات الداخلية لدينا. لولا ذلك، فإن إمبراطورية ‘نورس أنسيفا’ هي الأضعف بلا شك بين الإمبراطوريات الأربع. حتى أضعفنا يمكنه هزيمة أقواهم.”
“هاه…”
تنهد الرجل قبل أن يهز رأسه بابتسامة.
”…..لا يمكنني المجادلة في ذلك.”
“أرأيت؟ حتى الرئيس لا يستطيع إنكار الواقع. آمل فقط أنه عند وصولنا سنجد طعامًا جيدًا. لا أتوقع شيئًا منهم.”
“لو كنت مكانك، لما توقعت طعامًا جيدًا.”
تدخل طالب آخر قائلًا:
“هم ليسوا معروفين بأطعمتهم الجيدة هنا.”
“أوه، لا تقل هذا…”
“ربما…؟”
أخرج الطالب كتيبًا صغيرًا من حقيبته وعرضه عليهم.
“وجدت هذا في الطريق. يُدعى ‘اللسان الحديدي’. على ما يبدو، إذا كنت تريد طعامًا جيدًا، فعليك اتباع هذا الدليل.”
“اللسان الحديدي؟ ما هذا الاسم السخيف؟”
نظر الطلاب إلى الكتيب وبدأوا في الضحك أثناء قراءة بعض الانتقادات المكتوبة عليه:
“سيمفونية من النكهات ترقص على الحنك، كل طبق مصنوع بعناية فائقة لإغواء الحواس. أثناء تذوقي لهذه الأطباق، أجد نفسي أسيرًا في طبقات النكهة والقوام المعقدة، كل لقمة بمثابة كشف جديد لفن الطهو.”
وأثناء انشغالهم بذلك، تحدث فجأة طالب آخر كان في الخلف:
“أيها الرئيس، هل لديك أي فكرة عن سبب توجهنا إلى ‘هافن’؟ صحيح أن القمة تُقام هذا العام في إمبراطورية ‘نورس أنسيفا’، لكن ما لا أفهمه هو سبب مجيئنا إلى هنا؟”
جذبت هذه الكلمات انتباه جميع الطلاب الآخرين الذين نظروا نحو الرئيس بتعبيرات فضولية.
حاملًا حقيبته، استدار الشخص الملقب بـ”الرئيس” بهدوء لينظر إلى الطالب الذي طرح السؤال.
”…..”
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة قبل أن يتحدث:
“للتأكد.”
كلمتان فقط… ومع ذلك، تغير الجو قليلاً عند سماع كلماته، مما أثار حيرة الطالب الذي طرح السؤال.
“للتأكد…؟”
بعد لحظة، ضحك الطالب قائلًا:
“مما نتأكد بالضبط؟ في كل مرة نلتقي بهم، نهزم فرقهم بسهولة. لا أرى أي سبب يجعلنا نحتاج إلى التأكد من أي شيء. إن كان هن—”
“النجم الأسود.”
قاطع الرئيس كلام الطالب.
“نحن هنا للتحقق من نجمهم الأسود.”
”….”
”….”
ساد الصمت بين المجموعة لعدة ثوانٍ قصيرة. لكن لم يدم الأمر طويلًا، إذ سرعان ما انفجر أحد الطلاب ضاحكًا.
“التبادل لا يعتمد على شخص واحد فقط. صحيح أنهم أحيانًا يمتلكون شخصًا أو اثنين أقوياء، لكنهم مجرد أفراد محميين جيدًا من عائلة ‘ميغريل’. باستثناء ذلك الوحش الذي ظهر قبل بضعة عقود، لا يجب أن يكون أي منهم بمستواك.”
”…..أعلم.”
أومأ الرئيس برأسه، مرتسمًا على شفتيه ابتسامة طفيفة.
هو أيضًا لم يكن يعتقد أن هناك ما يدعو للقلق. لكن… كان الأمر نفسه بالنسبة لأسلافهم في الماضي.
كان لديهم الشعور ذاته في ذلك الوقت.
…والنتيجة؟
ولادة وحش.
“ديليلا ڤي. روزنبرغ.”
لا تزال أسطورتها معروفة لدى الجميع، وظهورها المفاجئ هو ما جعل الإمبراطوريات الثلاث الأخرى تخشى إمبراطورية “نورس أنسيفا”.
لم يكن بإمكانهم السماح بظهور “ديليلا” أخرى.
“أوه، نعم. سمعت أن هذا العام يُعتبر عامًا ضعيفًا بشكل خاص لـ’هافن’.”
تحدث طالب ذو شعر أشقر قصير قائلًا:
”…..تشير الشائعات إلى أن نجمهم الأسود في السنة الأولى هو من أضعف من حصلوا على هذا اللقب على الإطلاق. كما أن ممثل عائلة ‘ميغريل’ ليس الأول في الترتيب.”
“إلى أي مدى يمكن أن تكون إدارة عائلة ‘ميغريل’ سيئة ليحدث ذلك؟ مع كل الموارد والمزايا التي يمنحونها لأطفالهم، لا يزالون غير قادرين على احتلال المرتبة الأولى؟”
“إنه أمر مثير للسخرية.”
“ليس كذلك.”
فجأة، دوى صوت عميق، وسرعان ما عمّ الصمت.
تفرّق الطلاب جانبًا للسماح لرجل مسنّ بالمرور. كانت يداه خلف ظهره بينما سار بهدوء نحو المقدمة.
“الأستاذ ‘ثورن ويسبر’!”
“الأستاذ ‘ثورن ويسبر’!”
م:م: لست متأكد من صحه الأسم سوف اضعه هكذا في الوقت الحالي .
هتف الطلاب بصوت واحد.
“كونوا على راحتكم.”
أشار بيده لأسفل، فتوقف الطلاب عن الحديث، ووصل الأستاذ إلى حيث كان الرئيس واقفًا.
“كايليون، ماذا أخبرتك عن الحفاظ على النظام؟ نحن قريبون من أراضي الأكاديمية، ولا أريد أن نبدأ قتالًا معهم هنا.”
”…..أعتذر.”
انحنى “كايليون” برأسه اعتذارًا.
ثم نظر الأستاذ إلى بقية الطلاب.
“أما أنتم… أظن أنني قلت لكم الأمر ذاته.”
”…..”
خفض الطلاب رؤوسهم دون أن ينبسوا ببنت شفة.
“لا تكونوا متهاونين. لقد مرّ وقت طويل، والكثير يمكن أن يتغير خلال تلك الفترة. فقط لأن أسلافكم استطاعوا العبث بهم لا يعني أنكم تستطيعون فعل الشيء نفسه. عليكم إثبات ذلك، بدلاً من مجرد التحدث عنه. يمكن لأي شخص أن يهزم الآخر بالكلمات فقط.”
بالنظر حوله، تعمق صوته.
“ما مدى الإحباط الذي قد تشعرون به إذا علمتم أنكم خسرتم أمام أشخاص نعلم أنهم يضعفون أنفسهم عمدًا؟ لا أتوقع منكم أي خسارة. مجرد الهزيمة أمامهم ستكون الإهانة المطلقة لإمبراطوريتنا.”
الأستاذ ثورن ويسبر… لقد كان حاضرًا في الأيام التي ظهرت فيها ديليلا.
لا يزال يتذكر وجودها حتى يومنا هذا.
لقد كانت…
تجسيدًا للخوف.
شخصًا لا يزال يرسل قشعريرة في عموده الفقري حتى الآن.
لكن كان صحيحًا أيضًا أنها كانت نفس الشخص الذي جلب لهم الإذلال التام خلال تلك القمة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتهاون الإمبراطوريات الثلاث أبدًا مع إمبراطورية نورس أنسيفا.
“أريدكم أن تسحقوهم تمامًا. إلى الحد الذي لا يفكرون فيه إلا بكم.”
لم تكن كلماته كلمات تحفيزية.
بل كانت أمرًا.
أمرًا لا يمكن لأي من الطلاب رفضه.
“إذا خسر أي منكم ولو مباراة واحدة ليست ضد النجم الأسود…”
توقف للحظة، قبل أن يوجه نظره إلى الطلاب.
”…..سأجعلكم تختفون من أمامي.”
تحولت الأجواء إلى كآبة شديدة بعد كلماته.
“هدفنا بسيط، أن نقيس قوتهم قبل بدء القمة. لن نحاربهم بعد، لكنني أريدكم أن تسحقوهم تمامًا قبل أن تبدأ المنافسة حتى. هل هذا واضح؟”
“نعم، سيدي!”
“نعم، سيدي!”
“نعم، سيدي!”
هتف الطلاب جميعًا بصوت واحد.
“جيد.”
أومأ الأستاذ برأسه قبل أن يتقدم إلى الأمام.
إلى جانبه، سار كايليون بهدوء دون أن ينطق بكلمة واحدة.
وكان الأستاذ هو من كسر الصمت.
“تنتشر شائعات بأن النجم الأسود لهذا العام ليس قويًا. ما رأيك؟”
”….. لا يهمني.”
عبّر كايليون عن مشاعره الحقيقية.
لم يكن يهتم ببساطة.
… بالنسبة له، لم تكن هافن سوى محطة عبور. كان ينظر إلى شيء آخر. صحيح أن قصص ديليلا كانت أسطورية، لكن في نهاية المطاف، كم نسخة منها يمكن أن تُخلق؟
علاوة على ذلك، لو ظهر شخص مثلها، لكانت الشائعات قد انتشرت بالفعل.
“هناك عدة مقاطع تُظهر قوة النجم الأسود. هل رأيتها؟”
“نعم، رأيتها.”
“ما رأيك فيها؟”
“مبهرة.”
كانت مليئة بالمؤثرات وتبدو رائعة، لكنها في نهاية المطاف لم تكن أكثر من استعراض. يمكنه التعامل معها.
كثير من زملائه كانوا بمثل تلك القوة.
“أرى… هذا جيد.”
أومأ الأستاذ برأسه قبل أن يرفع رأسه ويتوقف أمام ما بدا وكأنه بوابة الأكاديمية.
كان هناك، ينتظرهم، مجموعة أخرى من الطلاب.
ومن خلال زيّهم، كان من الواضح أنهم طلاب أكاديمية هافن.
مسح كايلون وجوههم بنظره.
وبشكل خاص، برز إليه بعضهم.
كانوا يقفون في مقدمة المجموعة، وبصرف النظر عن مظهرهم، فإن هالتهم جعلتهم يتميزون عن البقية.
“هاهاها، مرحبًا بكم.”
تقدم رجل ذو شعر أشقر طويل وعيون صفراء بخطوات واثقة، وابتسامة على وجهه.
“كيف حالكم؟ لقد مر وقت طويل.”
“بالفعل، أطلس.”
رحب به الأستاذ بابتسامة خفيفة.
توجهت عينا كايليون إلى أطلس.
كان شخصية أخرى مثيرة للاهتمام.
تمامًا مثل ديليلا، كان رجلًا ذا سمعة.
لكن المؤسف أنه وُلد في عصرها.
إنجازاته طُمست تحت ظلّها.
”….من المثير للاهتمام أن شخصية مهمة مثلك تخرج لتحيي أستاذًا وبعض الطلاب. إنه لشرف كبير. يكاد يكون الأمر وكأنك تخشى أن يطغى طلابنا على طلابك.”
برودة خفيفة تسربت إلى الأجواء مع كلمات الأستاذ.
وقف كايليون جانبًا، يراقب بصمت.
كان هذا التفاعل متوقعًا بالنسبة له منذ البداية.
لم يكونوا هنا لعقد صداقات.
… لقد جاؤوا لسحق هافن تمامًا.
وهو مدرك لذلك، أدار نظره نحو طلاب الأكاديمية.
كما لو أنها شعرت بنظراته، تقدمت امرأة شابة ذات شعر أحمر طويل إلى الأمام.
اقتربت منه، ثم حيته بأدب.
“تشرفت بلقائك.”
صدى صوتها النقي تردد بهدوء في الأجواء، في حين انعكست خصلات شعرها الحمراء تحت أشعة الشمس.
”…..أنا أويف ك. ميغريل، النجم الأسود لهذا العام.”
______________________
ترجمة: TIFA