الفصل 9: المسار الشيطاني الذي أتخيله
جاءت لي آن في اليوم التالي بوجه مرتبك.
"كيف عدت بالأمس؟"
"حملتكِ عائدًا. ألا تتذكرين."
احمرّت وجنتاها مجيبة:
"لا تكذب! لم أكن ثمِلةً لهذه الدرجة. هل كنتُ ثقيلة؟ آسفةٌ يا سيدي الشاب."
"ستكون كذبةً إن قلتُ أنك خفيفةً، لكنّكِ لم تكوني ثقيلةً درجة اعتذارك. انظري لهذه العضلات!"
"أوه، لقد صارت أنحف! أليس كذلك؟"
"انظري لهاته العضلات المنتفخة جيدًا!"
بعد المزاح قليلا هكذا، حنت لي آن رأسها.
"شكرًا لكَ، سيدي الشاب."
"لنشرب معًا مرةً أخرى."
"حسنًا، سيدي الشاب."
وهي تهمّ بالانصراف سألت:
"إن قلتُ شيئًا خاطئًا، سامحني رجاء. أنا لا أتذكر شيئًا."
"لا تقلقي، لم تُخطئي في شيء. لكن إن أخطأتِ مستقبلًا، اطلبي حق العفو."
"حقّ العفو؟ ما هذا؟"
"إنه الحق الذي سيسمح لك بأن تُغفري حتى لو أخطأتِ في حقي."
"متى منحتني إياه؟"
في هذه اللحظة، مددتُ يدي نحوها.
"صافحيني."
أمسكت لي آن بيدي بكفّها الكبير.
"ها قد مُنِحَ الآن."
"إذا كنت ستعطيني إياه، لم لا تعطني عشرة بسخاء؟ سأتبعك مدى الحياة، بعد كل شيء. أليس واحد قليل جدا؟"
"لا. واحدٌ فقط! استخدميه بحكمة."
"حسنا سيّدي!"
ابتسمت حتى اختفت عيناها وسط خدّيها.
'في هذه الحياة، لو لَزم أحدٌ العفو، فهو أنا لا أنتِ…'
في تلك الليلة، كنت جالسا وحدي، أمارس فن إطلاق التشي.
وأنا أتدرب على إرسال التشي لثلاث مواقع مختلفة، استشعرتُ وجودًا يسارًي.
مؤخرا، بدأت استمتع كثيرا بتمييز الأشخاص عبر طاقتهم؛ طولهم، سلاحهم، مستواهم القتالي.
في اللحظة التي أردت فيها فحص هذا الشخص …
هرب جانبا.
ظننتها مصادفة، فأعدت إرسال التشي نحوه، لكنه تحرك إلى الجهة المقابلة مجددا، متجنبا طاقتي.
'أيتعمّد ذلك؟'
لم يكن من المفترض اكتشاف هذه الطاقة الضعيفة والدقيقة.
ومع ذلك تجنبها هذا الشخص وكأنه يشعر بها.
'من يكون هذا بحق الجحيم؟'
غلبني الفضول، فواصلت إرسال الطاقة متحركا في الأنحاء، رغم استهلاك ذلك لجهد ذهني مضاعف مقارنة باستعماله ثابتا. إلا أن القتال الحقيقي يستلزم إطلاق التشي أثناء التنقل والمواجهة.
شعرت بأن الشخص يتراجع، فطاردته. كدت ان ألحق به، لكن دون أن اتمكن تماما من ذلك.
لقد قادني إلى الجناح الداخلي.
"أبي!"
كان المرشد والدي.
"علمت ذلك. كنت قلقًا أن يكون آخرون شعروا بطاقتي."
"أي تشي تتحدث عنه؟ حتى الكلب النائم تحت الجدار كان ليشعر بها."
"للكلاب غرائز جيدة، أليس كذلك؟ لكن ما الذي أتى بك لمسكني؟"
"كنت مارّا."
بدت كذبة واضحة.
"لقاء الصدفة هذا يعني أن القدر قد ربط بيننا"
"كفى هراءً."
"حاضر سيدي!"
صمتُّ أنظر للقمر معه.
بعد هنيهة، سألت.
"متى ستختار الخليفة؟"
"بعد مئة عام. ما زلتم غير جاهزين."
"اجعله مئة يوم. أنا مستعدّ."
"لو كنتَ جاهزًا لما جاءك شيطان نصل السماء الدموي."
"كيف علمتَ؟"
حتى لقائنا السريّ كان مرصودًا.
"زارني بعد لقائك مباشرةً. طلب معاقبتك."
"ماذا؟!"
تفاجأت حقا مما قاله. هل ذهب شيطان نصل السماء الدموي حقا إلى والدي وطلب عقابي؟
"هذا مفاجئ حقا. إنه ليس من النوع الذي يقدم مثل هذا النوع من الطلبات فقط لموت أحد تلاميذه."
"لماذا فعلها إذن في رأيك؟"
تظاهرت بأنني لا أعرف وخمنت بهدوء.
"أعتقد ليختبر علاقتنا. ليرى إن كنتَ ستعاقبني حقا، وإن فعلت، فما نوع العقاب الذي ستوقعه عليّ. أراد أن يعرف ما إذا كان أبي يعتبرني خليفته."
"لهذا قرّرتُ معاقبتك."
"لا ذنب لي! ذلك التلميذ استحق الموت."
"الذنب يُصنع."
سحبت سيفي ورسمتُ خطًا بالسيف.
"قال شيطان نصل السماء الدموي أن طول هذا الجانب يمثل مقدار اهتمامك به. أمِنه استمددتَ ذنبي؟"
تجاهل سؤالي وسأل:
"ألم تسألني عمّن أثق به بين سادة الشياطين؟"
"أجل."
"أنا لا أثق بأحد."
أدركتُ مغزى الرد جيدا؛ الخط الذي رسمه الشيطان خاطئ.
"أأنت مع الثقة أم ضدها؟"
"يعتمد ذلك على الشخص."
"كيف تميّز نوع الشخص؟"
"تميزه بالمعاشرة، أليس كذلك؟"
"تفكيرٌ أحمق! قلب الإنسان لغزٌ لا يُحلّ. مهما بدا شفافًا، لا تظنّ أنك تعرفه."
تذكّرت فجأة لي آن. ظننت أنني أعرفها، لكن اكتشفت جوانب جديدة عنها.
"سأتذكر هذا."
"قلتَ سابقا إننا بحاجة لتأديب الطائفة؟"
"نعم."
"انسَ فكرة القضاء على الفساد. قل لي حقيقة رأيك."
"أيمكنني ذلك؟"
"هل كذبتَ عليّ من قبل؟"
"لا، لكنّ إجابتي الصريحة وقحة."
"تكلم."
"في لحظةٍ ما… أعتقد أننا فقدنا مسارنا الشيطاني."
ارتجف جفن والدي. لم تكن هذه جملةً ستُقال، على الأقل أمامه.
"ما تصوّرك للمسار الشيطاني؟"
صمتّ قليلًا ثمّ أفرغتُ ما في صدري:
"أعتقد أنه إيمان طائفتنا بتحطيم الشر المطلق."
لربما اعتُبرت إجابةً غير متوقعة، لدرجة أن أبي أدار رأسه محدقا بي بعينين واسعتين.
"…تحطيم الشر المطلق؟"
"لا أعتقد أن عدوّنا هو الطائفة الأرثوذكسية."
"من هو إذن؟"
"الشر المطلق."
من المؤكد أن ما كنت على وشك قوله أن يتقبله والدي بسهولة. ومع ذلك، نقلت إليه أفكاري بهدوء.
"هناك شرٌّ جبانٌ خبيثٌ مرعبٌ لا يُحتمل. شرٌّ مطلقٌ لدرجة أن الشياطين تنفض يدها منه. أعتقد أن البِر والتسامح اللذان تتمسك بهما الطائفة الأرثوذكسية قد يكون قادرا على إخضاع الشرور الصغيرة، إلا أنه لا يستطيع التعامل مع هذا الشر المطلق. ما داموا يعتزون بالإنسان، كيف لهم أن يصدوا هذا الشر الذي تخلى عن إنسانيته وأصبح يعيق في الأرض فساداً؟"
أنصت والدي بتركيزٍ لم أشهد مثله. ربما خطرتْ له الفكرة ذاتها.
'ألسنا نحن الشر المطلق؟'
'لا يا أبي. آمل حقا ألا تكون طائفتنا هي الشر المطلق في هذا العالم. سأتأكد من عدم جعل طائفتنا تصبح كذلك.'
"علينا أن نكون الكيان الوحيد القادر على سحق هذا الشرّ بشراسةٍ تفوقه. لا يهم إن بدونا أخيارًا أم أشرارًا. حين يركع ذلك الشرّ مرتعدًا أمامنا، حينها سيتأسّس مسارنا الشيطاني الحقيقي. حينها سيحني العالم رأسه لعظمة طائفتنا. وحين يعجزون عن حلّ مشاكلهم، سيأتون إلينا! ستُعتبر طائفة الشيطان السماوي وحدها منقذ العالم. هذا هو مسارنا."
كنت متأكدا أن أبي لم يفكر، ولم يسمع، في مثل هذه الأفكار.
"إن لم نؤسس مسارنا بالطريقة الصحيحة، فنحن هالكون. لِننجوَ، علينا تأديب أنفسنا."
حتى والدي الذي لطالما برع في إخفاء مشاعره، لم يستطع إخفاء صدمته.
سقط والدي في تفكير عميق. على الرغم من أنني عشت حياه اطول منه لم استطع تخمين الأفكار التي دارت في ذهنه.
لكنني كنت متيقنا من شيء واحد.
على الرغم من مرور بضعة أيام فقط على ارتدادي، إلا أنني ووالدي قد بدأنا بالفعل في تغيير مصائرنا. لقد بدأنا في تهيئة مستقبل مختلف.
أخيرا، قطع والدي الصمت الطويل.
"أهناك أي غرورٌ آخره تُظهره؟"
"لا، ليس اليوم."
حكمت رأسي، وابتسمت مخرجا.
"أظنني فهمت لماذا طلب الشيطان معاقبتك."
"لم ذلك؟"
"لأنه رأى فيك شيئًا. لذلك أراد اختيارك من خلالي."
"يبدو أنه رأى إمكانية أن أصبح الخليفة"
"أو ربما خطرًا على الطائفة."
"في كلا الحالتين… ذلك العجوز لديه بصيرة."
خرج أبي، الذي حدق فيّ بعمق، من الجناح بخطوات حازمة.
"اتبعني."
قادني والدي إلى أعمق جزء من جناح الشيطان السماوي. كان مكانا اعرفه جيدا مما سمعته.
كانت هناك لوحة صغيرة معلقة فوق كهف حجري.
الكهف السماوي.
"أتريدني أن أدخل هنا؟!"
اعتُبر هذا المكان منطقةً لتدريب خلفائه. لقد خُصص للمرشحين لأن يصبحوا الشيطان السماوي.
عادة ما يدخله تلاميذ أو أبناء الشيطان السماوي بعد اختيارهم.
لم يكن بالكهف الذي يجب الاستخفاف بمحنته.
اعتمد دخوله على رغبة الشخص لكن الخروج منه لم يكن كذلك. إذا لم يتمكن المرء من التغلب على المحن، فلن يغادر أبدا. كانت نسبة النجاح هي النصف. في الواقع نصف أقارب الشيطان السماوي، الذين دخلوا هذا المكان، فقدوا حياتهم هناك.
وبسبب ذلك، حتى أخي الطموح لم يطرح فكرة دخول هذا المكان بنفسه. ومع ذلك، من أجل أن يصبح المرء شيطانا سماويا، توجب عليه المرور بهذا المكان مرة واحدة على الاقل. كل من أصبح شيطانا سماويا مر من هنا. بهذا المعنى، يمكن اعتبار أن تصبح شيطانا سماويا إحدى أصعب لألقاب لاكتسابها.
"دخلته في عمرك أيضا."
"إذن، كم استغرقتَ للخروج؟"
"شهران."
"تريدني أضيع شهرين من عمري في هذا المكان المظلم المقفر؟!"
"يبدو أنك مخطئ. أنا من استغرق شهرين، لكن المتوسط هو ثلاثة أعوام."
تم تقييم والدي على أنه صاحب أعظم موهبة قتالية بين جميع الشياطين السماويين في التاريخ. حقيقة أنني ورثت الجسد القتالي السماوي كان ممكنا فقط لأنني تلقيت دمه.
"أبي لماذا تفعل هذا بي؟"
"ألم اخبرك سابقا؟ أنا أنوي معاقبتك؟"
"أليس هذا العقاب قاسيا جدا؟"
"سيظل يانغ بو، الذي قتلته، تحت الارض الى الابد"
"لكن، على الأقل، سيستمع الاخرون بالأمر."
ومع ذلك، فقد اتخذ ابي قراره بالفعل.
'أبي، هل سترسلني حقا إلى مكان قد أموت فيه، فقط لأن ذلك الرجل العجوز، شيطان نصل السماء الدموي، طلب منك ان تعاقبني.'
فجأة، تذكرت ما قاله ولدي أثناء الصيد عن النوايا الخفية.
'ألا تهتم اذا مات ابنك أم أنك تتمنى أن أخرج أقوى. إذا لم أستطع النجاة، فهذا عقاب. أما إذا نجوت، فقد يكون ذلك مكافأة.'
'أم أنك تحاول أن تحميني من شيطان نصل السماء الدموي بإرسالي بعيدا مثل إبرة تخرج من الجيب.'
لم يكشف والدي ابدا عن أفكاره، مما جعل من المستحيل فهم نواياه.
عندما وضع والدي يده على اللوح الحجري المجاور للكهف، وحقن طاقته الفريدة، انفتح الباب الحجري.
ثوود.
بنظرة تقول لي أن أتوقف عن الشكوى وأدخل، لم يعد بإمكاني الرفض.
"حسنا. سأخرج أسرع منك، أبي."
ثوود.
أُثناء انغلاق الباب، ابتسم والدي ببرود، قائلا:
"إيّاك أن تموت."